عن الفصائل الفلسطينية وهزيمة مشاريع التوطين

تآكل واختفاء مجتمعات اللاجئين هي المسلمة التي تشتغل إدارة ترامب عليها لتصفية أونروا وتصفية حق العودة والتخلص من منظمة التحرير، وهذا ما يفترض بالفلسطينيين وقياداتهم إدراكه .
الأحد 2019/07/07
رفض الأنظمة للتوطين سياسة ممنهجة تفيد بالتضييق على الفلسطيني ومصادرة حقوقه

لا يأتي جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، ومستشاره، وحامل مشروعه الذي اشتهر بتسمية “صفقة القرن”، بأي جديد عندما يتحدث عن توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان التي يقيمون فيها، مع التلويح بإمكان تمويل ذلك، أو التعويض عنه للبلدان المعنية، لإغرائها وتمكينها من تمرير تلك الخطة.

وفي الحقيقة فإننا إزاء خطة قديمة – جديدة، فالولايات المتحدة كانت طرحت منذ الخمسينات، أي بعد النكبة، العديد من مشاريع التوطين، وضمنها في جزيرة سيناء مثلا، إلا أن كل تلك المشاريع باءت بالفشل، سواء بسبب تشبّث الفلسطينيين بحقهم في العودة، أو بسبب مواقف الدول العربية التي مانعت الخطط الأميركية، في واقع دولي كان يتيح لها ذلك.

في مرحلة أخرى، نجم عنها عقد اتفاق أوسلو عام 1993 وانعقاد المفاوضات “متعددة الأطراف”، التي من ضمنها لجنة اللاجئين، ثم في مفاوضات كامب ديفيد 2 عام 2000، تم تقديم عدة تصورات لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين، ضمنها عودة أعداد منهم إلى أراضيهم التي شردوا منها (في إسرائيل)، وعودة بعضهم إلى أراضي السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع، أو توطين بعضهم إما حيث يقيمون، وإما في بلد أجنبي، إلا أن كل تلك الحلول باءت بالفشل بحكم انهيار العملية التفاوضية، وبحكم إصرار إسرائيل على رفض تقديم الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية مع الفلسطينيين، وضمن ذلك رفض مجرد الاعتراف بمسؤوليتها عن ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

الآن، مع مجيئه إلى رئاسة الولايات المتحدة فاجأ دونالد ترامب المجتمع الدولي بخروجه عن السياسة الأميركية التقليدية إزاء المسألة الفلسطينية. ففي تصريحات له وللعديد من المسؤولين الأميركيين، تم الإفصاح علنا بأن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم يعد لها مكان على جدول الأعمال، وأنها باتت بحكم المنتهية، وفق عاملي الزمن والأمر الواقع، بل وتم ترجمة هذا الموقف عمليا، على عدة أصعدة، ضمنها وقف تمويل وكالة أونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين)، مع العلم أن الولايات المتحدة هي أكبر ممول لتلك الوكالة، ثم عبر المطالبة بإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، مع العلم أن الغرض منه شطب أبناء اللاجئين وأحفادهم، وحرمانهم من مكانة اللاجئين وحقوقهم، بعد أن تبين أن أولاد وأحفاد اللاجئين الأصليين أثبتوا عكس وجهة النظر الأميركية التي مفادها “أن الكبار يموتون والصغار ينسون”.

مع كل ذلك، فإن ما يطرحه كوشنر ليس بالأمر الهين، ولا ينبغي الاستخفاف به، وضمن ذلك اعتبار فشل مؤتمر المنامة، وكأنه بمثابة ضربة قاضية لما يسمى صفقة القرن، أو للترتيبات الأميركية في المنطقة، وذلك للعديد من الأسباب. وأولها أن الظروف الراهنة، على كافة الأصعدة، ولاسيما العربية، مهيئة للتعاطي مع الترتيبات الأميركية، بعد أن وفّر التغوّل الإيراني في المنطقة الظروف المناسبة للإدارة الأميركية وإسرائيل لتمرير ما تريدانه في المشرق العربي، وخاصة على الصعيد الفلسطيني.

ثانيا، يخطئ من يظن أن الولايات المتحدة تخاطب الفلسطينيين كأفراد، أو حتى قيادتهم، فيما تحاول ترتيبه بشأن قضية اللاجئين أو غيرها، إذ هي تخاطب الأنظمة العربية المعنية، ولاسيما في لبنان وسوريا، بعد أن تم إفراغ العراق من الفلسطينيين اللاجئين فيه.

ثالثا يُفترض أن نأخذ بالاعتبار أن الأردن ليس مطروحا على جدول الأعمال، إذ أن الفلسطينيين من اللاجئين عام 1948 هم ضمن عداد المواطنين الأردنيين، وفق الصيغة التي قامت عليها المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك.

رابعا يُستنتج مما تقدم أن الأمر يتعلق بأقل من مليون لاجئ فلسطيني في سوريا ولبنان، والسؤال الواقعي الذي يفترض أن يطرح الآن، كم بقي من هؤلاء اللاجئين في هذين البلدين، إذ أن لبنان، بسبب تمييزه ضد اللاجئين الفلسطينيين، وتضييقه عليهم، دفعهم دفعا إلى الهجرة إلى البلدان الإسكندينافية وأوروبا وإلى الأميركتين، منذ أوائل الثمانينات، أما في سوريا فشهد مجتمع اللاجئين الفلسطينيين هجرة واسعة على خلفية الصراع السوري، وتدمير مخيم اليرموك، الذي كان يعد عاصمة المخيمات الفلسطينية، أي أن الحديث يدور عن بضع مئات الألوف في سوريا ولبنان.

خامسا هذا يجعلنا نميز بين الرفض النظري، والواقع العملي الذي يدفع اللاجئ الفلسطيني إلى الهجرة من مخيمات اللاجئين. فالفلسطينيون يرفضون التوطين بديلا عن حقهم في العودة إلى وطنهم، لكنهم في المقابل لا يتمكنون من العيش حيث هم بسبب السياسات التي تنتهج ضدهم ما يضطرهم إلى الهجرة إلى البلدان الأجنبية، أي أن رفض الأنظمة للتوطين هو سياسة مواربة، وممنهجة تفيد بالتضييق على الفلسطيني ومصادرة حقوقه، ليس لتسهيل كفاحه من أجل العودة، وإنما لدفعه إلى الهجرة وتصفية قضيته.

في مقابل كل ذلك تبدو الفصائل الفلسطينية كمن يستمرئ العيش على مسلمات، كأنها في ذلك تؤكد وجودها، وتغطّي على تآكل دورها ومكانتها، ومن هذه المسلمات القول بهزيمة مشاريع التوطين، في حين أن أهم مشروع من هذا النوع حصل في الأردن بعد النكبة مباشرة كما نعلم، أما في بلدان اللجوء الأخرى، فثمة تصفية مبرمجة لمجتمعات ومخيمات اللاجئين، فأين هم فلسطينيو العراق اليوم؟ وكم بقي من فلسطينيي لبنان وسوريا؟

المعنى أنه بدل الاتكاء على تلك المسلمة يجدر بالقيادة الفلسطينية التوقف عند واقع تآكل مجتمعات الفلسطينيين اللاجئين في لبنان والعراق وسوريا، والاشتغال على تأطير الفلسطينيين في مجمل أماكن اللجوء والشتات، وهو ما يستلزم إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها باعتبارها الكيان السياسي الموحد للشعب الفلسطيني، وصوغ رؤى سياسية تستعيد التطابق بين الأرض والشعب والقضية.

وفي واقع الأمر فإن تآكل واختفاء مجتمعات اللاجئين هو المسلمة التي تشتغل إدارة ترامب عليها لتصفية أونروا وتصفية حق العودة والتخلص من منظمة التحرير، وهذا ما يفترض بالفلسطينيين وقياداتهم إدراكه والعمل لتفويت استهدافه.

8