عن الفن والوجود والمقاومة

الاثنين 2014/09/01

تبدو ذاكرة شعوبنا كأنّها واهنة مترهلة، سريعة السّهو والنسيان، عديمة الوفاء تنحو نحو الامحاء. ولستُ أشكّ قيد أنملة بأنّ هذا العوز سيمنح للفكر الأصولي- إن جازت تسميته فكرا- فرصة التوسّع والتغلغل والانتشار. هي المسألة بهذا النحو: لا ينتشر الفكر الأصولي عادة إلاّ داخل المناطق التي يخفت فيها لهيب الذاكرة الجماعية، ذاكرة الأرض، ذاكرة الزمان، وذاكرة الإنسان.

لذلك ليس مستغربا أن يمثل هدم الأضرحة والمزارات والقباب والنّصب والتماثيل والمتاحف المظهر الأكثر بروزا في الحرب القذرة على الذاكرة الجماعية داخل المجتمعات الإسلامية. لكن لحساب من هذه الحرب؟

يكمن وجه المفارقة في أنّ الأصولية، عمليا وإجرائيا، ليست استذكارا للماضي كما توحي، ولا إحياء للذاكرة كما تقول، لكنها عكس ذلك رهان على إفقار الذاكرة، إنها رهان على الحذف والإلغاء والنسيان، نسيان للمشترك الوطني بأعلامه ومعالمه وعلاماته، نسيان للثقافات الشعبية والمحلية بتجلياتها الروحية والجسدية، نسيان لأنماط الرّقص والموسيقى ومختلف ألوان الإبداع التي تحفظ رؤية الشعوب لنفسها، ورؤيتها للوجود والزمان والجسد، نسيان لروائع الشعر والغناء وملاحم الأدب والمسرح، نسيان لكل ما أنتجته (التراث/ تراثنا) من موشحات ورباعيات ولزوميات وغراميات ومرثيات ومرئيات، نسيان للمشترك الإنساني، نسيان لجدوى الوجود نفسه.

الأصولية نسيان للوجود الحقيقي من حيث هو حرية وإٍرادة، مقابل ترسيخ فقه الطاعة والجماعة والبيعة. إنها نسيان للوجود من حيث هو طموح وكبرياء وإبداع كما تجسده قصائد المتنبي، من حيث هو تحدّ وإرادة كما تَجسده قصائد الشابي، من حيث هو وجود في ذاته ولذاته كما تجسده قصائد درويش. الأصولية نسيان للوجود الأصيل، مقابل وجود باهت شاحب كاره للحياة ومحب للموت، كما تبوح بلسانها.

ذاكرتنا واهنة بالفعل، لذلك قلّما ننتبه إلى حجم الانحدار في سلم الزّمن، انحدار بدأ من انهيار الفنون الجميلة وتراجع غرائز الحياة، ويكاد ينتهي اليوم إلى انهيار البقية الباقية من الحضارة. والمضحك المبكي أن أهوالنا في تحطيم أحوالنا أًصبحت تحيّر حتى “أعداءنا”. نحاصر أنفسنا بالجحيم حتى لا يحاصرنا أحد، نفجر أنفسنا بأنفسنا حتى لا يجرؤ الآخرون على تفجيرنا، نسبي نساءنا بأيدينا وننكحهم جهادا، ثم نبيعهم سبيا في أسواق النخاسة حتى لا نبقي لنا شرفا قد يلطخه الآخرون. وماذا بعد كل هذا العنف العقائدي والاقتتال الطائفي والتناحر المذهبي والفتنة الدائمة عدا تفكك لما بقي من أوطان. فهل نسينا أن انهيار العيش المشترك يبدأ من تفكك الذاكرة الجماعية؟ وأين هي هذه الذاكرة حين لا تتجلى في الإبداع الفني؟ وبأي لغة ستتكلم هذه الذاكرة إذا لم تتكلم لغة الشعر والموسيقى والرّسم والنحت والمسرح وكل ما ينفخ الروح في إرادة الحياة؟ لذلك، حين يختفي الفن تصبح الأرض كومة من الأحجار بلا جدوى، ويصبح الإنسان كتلة من اللحم الآدمي بلا معنى، مجرد موتى يدفنون موتاهم، وفق تعبير مستلهم من المسيح.

لا أعرف من ذا الذي قرر أن ينسب لرسول الإسلام مقولة «اخشوشنوا فإنّ النعمة لا تدوم». لكن يغلب الظن على الكثيرين بأن الخشونة مقياس التحدي والصمود والبقاء، ومن ثم فلا جدوى من الفنون الجميلة طالما قد تجعل الإنسان يفقد خشونته!

إنه الباراديغم الذي بات يطغى على الكثير من التيارات التي تقاوم، أو تدعي مقاومة الاحتلال، مثل حماس وحزب الله. وهو الباراديغم الذي أضعف المنسوب الفني داخل سياق المقاومة في جنوب لبنان وفي غزة أيضا.

والآن يحق لنا أن نسأل كل من يهمهم الأمر: حين نهمّش رقص شعب يعاني من الاحتلال، حين نهمّش غناء شعب يعاني من الاحتلال، حين نهمّش أشعار شعب يعاني من الاحتلال، حين نهمش رسوم ومنحوتات وإبداعات شعب يعاني من الاحتلال، أفلا نكون بذلك قد أنجزنا مهمة الاحتلال نفسه؟

دعنا نقول بكل وضوح: حين تهمّش المقاومة قصائد محمود درويش، وروايات غسان كنفاني، ورسوم ناجي العلي، وأغاني العاشقين، ومشروع إدوارد سعيد في نقد الاستشراق الغربي والذي أغنى الدراسات ما بعد الاستعمارية، فلاشك أن الوجود سيصبح مجرد أحجار لا تدل على أي شيء، وأجساد لا تقول أي شيء.

ذاك مآلنا جميعنا حين نمسح ذاكرتنا من كل ما أنتجناه من أدب جميل وفن جميل وشعر جميل وموسيقى جميلة ورقص جميل، سواء باسم الجهاد حينا، أو باسم المقاومة حينا، أو باسم تطبيق الشريعة حينا، أو باسم كلمة التوحيد حينا، أو باسم لا شيء تحديدا. مبرر النسيان معادلة تقول: «الدين زائد التقنية، هذا يكفي». إنه العقل الأداتي بعد أن يختزل كل الحاجيات الثقافية والوجدانية والروحية للإنسان في مظهر التديّن.

في كل الأحوال، فقد كان الفنّ وسيبقى روح الحضارة، بموته تموت الحضارة، وتصبح الهوية مجرّد صيحة في البرية، أو مجرد شعار للتمويه.


كاتب مغربي

8