عن القانون الذي لا يحمي المغفلين

الخميس 2014/05/15

أظنّ –وبعض الظن إثم- أنّ لا وجود لمثل هذا المثل المبتذل في سائر اللّغات الأخرى. نعم، يوجد مقابل للعبارة التي تقول “لا يعذر المرء لجهله القانون”، والتي هي بمنزلة قاعدة قانونية كونية، لكن الادعاء بأنّ “القانون لا يحمي المغفلين”، لا يبدو له من مقابل في سائر اللغات الأخرى، فقط نحن العرب نردده كثيراً وبكثير من الزهو أحياناً، وننسبه إلى قصة أميركية لا تخلو من طرافة، نحاول أن نستنبط منها حكماً شرعياً قطعياً على منهاج الفقهاء.

والقصة تقول إن أميركياً فقيراً استطاع أن يصبح غنيا بعد أن كتب إعلانا في الصحف يقول فيه: كل شخص يريدني أن أخبره بالسر الذي قد يجعله غنيا فليبعث لي بدولار واحد فقط على العنوان المذكور في الإعلان. فما كان من آلاف البشر إلاّ أن استجابوا للطلب طالما أن الرهان كبير والمطلوب قليل. لم تمض سوى أيام معدودة حتى بدأت الدولارات تتهاطل على صاحب الإعلان، وبعد أشهر أخرى جمع صاحبنا ما يقارب مليون دولار، فأصبح غنيا.

وبعدها أصدر إعلانا ثانيا نصح فيه كل من أراد أن يصبح غنيا أن يفعل مثله بالضبط. وفي رواية أخرى، أن بعض الناس رفعوا عليه دعوى في إحدى المحاكم، لكن القاضي قال لهم –والعهدة على الرواية العربية- القانون لا يحمي المغفلين.

طبعا مثل هذا الجواب غير قانوني، ولا يمكن أن يصدر عن قاض يعرف وظيفته؛ لأنّ أولى أولويات القانون أن يحمي الناس أجمعين، أكانوا مغفلين أو معتوهين أو ساذجين أو قاصرين أو حتى مجانين.

لكن العرب استنبطوا من الحكاية حكماً شرعيا ليس له من مثيل، وأمسى الحكم بمنزلة القاعدة القانونية الأولى، لدرجة أن مسؤولي الدولة والسلطة والعدالة في مجتمعاتنا لا يتحرجون من ترديده على مسامع الضحايا: فتاة تُغتصب فيقال لها ما الذي حملك على الذهاب إلى هنا؟ أو لماذا تخرجين في هذا الوقت؟ رجل يُسرق ماله فيقال له لماذا تحمل المال معك؟ أو لماذا تتركه وراءك في البيت؟ وآخر يُنصب عليه فيواجه باللوم. إلخ. وفي كل الأحوال، لنفترض أن القانون لا يحمي المغفلين. فمن هم الذين يحميهم القانون إذاً؟ المحتالون، أليس كذلك؟
24