عن القيد إذا انكسر

في عالم كرة القدم النجاح قد تصنعه الموهبة، لكن أيضا هو مرتبط بصواب الخيارات والتوجهات، واختيار اللحظة المناسبة للتغيير إذا كان التغيير ضروريا.
الأحد 2019/12/01
أحلام كبيرة

في الحياة كما في عالم كرة القدم، ثمة مراحل صعود وتألق وتوهج ومراحل أخرى تبدو صعبة ومرهقة، هكذا حال أغلب نجوم الكرة.

هذا الأمر يبدو شديد الارتباط باختيارات اللاعبين وتوجهاتهم، فكم من لاعب ألمعي وموهوب لم يقدر على الصعود لمجرد أنه اختار الطريق الخاطئ، وكم من لاعب كتب له صنع التاريخ لأنه أحسن سلك الطريق.

الأمثلة عديدة في هذا السياق، فالإيطالي فرانشيسكو توتي أبى مغادرة فريقه روما، فنصّب نفسه ملكا تاريخيا في هذا النادي، بيد أنه لم يلحق بركب الأساطير المتوجين بعدد كبير من الألقاب والبطولات.

في الطرف المقابل يبرز البرتغالي كريستيانو رونالدو والبرازيلي رونالدو كمثالين بارزين على صواب الاختيارات في كل مرحلة من مراحل مسيرتيهما الموفقة والمثقلة بالألقاب.

الخلاصة في عالم كرة القدم أن النجاح قد تصنعه الموهبة، لكن أيضا هو مرتبط بصواب الخيارات والتوجهات، واختيار اللحظة المناسبة للتغيير إذا كان التغيير ضروريا.

ففي بعض المناسبات قد يغدو اللعب لفائدة فريق مهيب مجرد “وعد كاذب”، وقد تستحيل الأحلام إلى كوابيس، وربما يتحول مسرح الأحلام إلى “حقل ألغام”.

هذا ما حصل بالضبط مع المهاجم البلجيكي روميلو لوكاكو، ذلك اللاعب الذي حلم بالمجد الكبير في مانشستر يونايتد، حلم بالألقاب والبطولات، حلم بـ”سيادة” العالم، لكنه أصيب بالهلع، وأصابه العجز، فوجد نفسه في بوتقة من القيود صلب متاهة ليس لها حدود.

لوكاكو ذلك اللاعب الذي عقد العزم في صائفة 2017 على الولوج إلى معقل “الشياطين الحمر” إثر تألق لافت مع فريقه السابق إيفرتون، لم يحقق المراد ولم يقدر على تحقيق النجاح المنشود.

ربما أغرته كتب التاريخ المجيد التي تتغنى بروائع اليونايتد، ربما اعتقد أنه يملك عصا سحرية سيغير بها واقع مسرح الأحلام الذي كسته الكآبة بعد رحيل السير أليكس فيرغسون، لكنه كان واهما، لقد “اغتالته” في تلك الفترة أحلامه الوهمية.

ربما هي اختياراته المتسرعة، كان عليه أن يدرس جيدا الواقع مثلما حفظ التاريخ جيدا، كان عليه أن يعي أن “مسرح الأحلام” يقضي على النجوم، وكل من مرّوا على هذا الفريق من نجوم طيلة المواسم الأخيرة تلقفهم الفشل وأحاطت بهم القيود.

تجارب دي ماريا وأليكسيس سانشيز وغيرهما من اللاعبين الرائعين تؤكد هذه الوقائع وتثبت الواقع الصعب في مانشستر.

لكن روميلو أدرك الخطأ، ثم أصر على التدارك، قرر كسر القيود وتخطي الحدود، أدرك أن واقع اليونايتد مليء بالأشواك ولن يتغير سريعا حتى وإن وقع استقدام “ترسانة” من النجوم.

روميلو قرر الرحيل، لم يعد بمقدوره أن يتعايش مع هذا الواقع الصعب في مانشستر، كان لا بد من سلك طريق جديد والبحث عن واقع آخر حتى وإن اضطر إلى النكوص قليلا إلى الوراء.

لم يطل بحثه طويلا، فالقدر منحه فرصة النهوض من جديد، لقد كتب له أن يغّير وجهته والرحيل ليس عن مانشستر فحسب بل عن إنكلترا.

بدا عرض إنتر ميلان جديا ومغريا للغاية، ليس من الناحية المالية بل لأنه يوفر ضمانات النجاح بعيدا عن كل القيود التي أحاطت به في معقل “الشياطين الحمر”.

غادر المهاجم البلجيكي المعسكر الأحمر في مانشستر تملؤه الغبطة، كان يعي جيدا أنه ما زال يتحكم في مصيره، ما زال قادرا على إعادة صياغة مسيرته وخطّ فصول جديدة يكون التألق عنوانها الأول.

هرول سعيدا صوب إيطاليا، اختار طواعية أن يكون ضمن فرقة المدرب أنطونيو كونتي، هناك في ميلانو حيث الضغوط أقل والآمال أكبر، هناك حيث المعطيات الجديدة داخل الإنتر تساعد على النهوض من جديد.

اكتشف روميلو إيطاليا سريعا، استوعب خصوصيات الكرة الإيطالية، اندمج باكرا مع فريقه الجديد، والأكثر من ذلك أنه لم ينتظر كثيرا كي يبرهن أنه ما زال كعهده في السابق “ماكينة أهداف” أو بالأحرى “دبابة بشرية” تدك الحصون.

لم يلتف إلى بقية النجوم لم يخش وجود الدون كريستيانو رونالدو في اليوفي، فقط صوب نظره إلى الأمام، ركز اهتمامه نحو شباك المنافسين. فقدّر له أن يقطف سريعا بذور الخروج من بوتقة الماضي القريب، فسجل ثم سجل وما زال.

اليوم حصيلة لوكاكو في الدوري المحلي الإيطالي عشرة أهداف، احتل بها المركز الثاني في ترتيب الهدافين، الأكثر من ذلك أنه ساعد فريقه على استعادة عنفوان السنين الخوالي، فالإنتر بات منافسا قويا لليوفي على لقب الدوري.

اليوم استعاد نجم المنتخب البلجيكي لذة اللعب ومتعة التهديف، فالتف برداء النجاعة ليس في الدوري المحلي فحسب بل في منافسات دوري الأبطال، بالأمس سجل ثنائية رائعة قاد بها فريقه إلى الفوز على سلافيا براغ فأبقى على حظوظ الإنتر للتأهل.

لكن من المؤكد أن الغد سيكون أفضل، فمن قدر على كسر القيود سينجح حتما في تحقيق طموحاته بلا حدود.

23