عن المثقفين والثورة.. وخروج الناشطين من سوريا

الخميس 2013/10/24

حتى أكثر المعارضين تشاؤماً، لم يكن يتوقع بقاء النظام الأسدي حتى هذه الأيام. كثيرون قالوا إن هذا النظام يمكن أن يفعل كل شيء، لكن خيالهم لم يصل حد التصديق بأن جنون السلطة، والهوس بها، سيدفعان إلى هذا القدر من الدموية، واستخدام السلاح الكيماوي، وترجمة شعار «الأسد أو نحرق البلد»، الذي خطّه شبيحة النظام، ترجمة حرفية على أرض الواقع.

لاشك أن الثورة قد أنهكت النظام وهزت أركانه، وأدخلته في مرحلة موت سريري. لكن «السيروم» الروسي- الإيراني، وتخاذل من يطلقون على أنفسهم أصدقاء سوريا، وحسابات المعارضة السورية، كلها حالت دون إعلان وفاته. الأمر الذي انعكس سلباً على الثورة والمجتمع، فتراجع الحراك الشعبي المدني، ونمت على جسد الثورة طفيليات من نمط الهيئات الشرعية، وداعش والنصرة، وباتت تشكل خطراً على الثورة، وتفاقمت مشكلة المهجرين، الذين تجاوزت أعدادهم 6 مليون. ما آلت إليه أوضاع الثورة، استدعى من أبناءها، البدء بعملية نقدية غايتها فهم أسباب ما حصل، ولكن بعض هذا النقد ذهب في اتجاهات خاطئة، وكان أقرب إلى ردات الفعل منه إلى النقد.

في هذا السياق، لم يسلم المثقفون والناشطون، لاسيما الذين غادروا سوريا، من النقد حالهم في ذلك حال المعارضة السياسية. فإذا كان واقع هذه الأخيرة، لا يشجع أحداً على الدفاع عنها، فإن حال المثقفين، هو غير ذلك. ومن الخطأ وضعهم مع المعارضة في سلة واحدة. فالمشكلة ليست في نقد المثقفين، وإنما في تعميم موقف سلبي منهم جميعاً.

لاشك أن الثورة السورية، قد عرت بعض المثقفين وكشفت حقيقتهم كمثقفي سلطة ومدافعين عن الاستبداد، وممانعين لمطالب شعوبهم في الحرية. ومنذ بدايات الثورة السورية، أعلنت أعداد لا بأس بها من المثقفين موقفها المنحاز لها، وكان لهم تأثيرهم وشارك العديد منهم في التظاهرات والاعتصامات، فكم من الكتاب والصحفيين والفنانين والسياسيين، ينبغي أن يلاحق أو يعتقل أو يستشهد كي يقال عن شريحة المثقفين، بأنها مشاركة في الثورة؟

لابد من الإشارة مجدداً، إلى أن طول أمد الثورة، وانتقالها من الطور السلمي إلى الطور المسلح، واستشراس النظام في القتل والقمع، كان له دور في تراجع حراك العديد من الناشطين والمثقفين، ودخول بعضهم في حالة كمون، وخروج بعضهم الآخر من سوريا.

في هذا السياق، نرى ضرورة التأكيد، على أن عدم انخراط العديد من الناشطين ومن بينهم المثقفين، في المكون العسكري للثورة، لا يعني، تخليهم عن الثورة، كما لا يعني أن من يحمل البندقية، هو أكثر شجاعة ممن لا يحملها. فمن حق أي ناشط أن يحدد شكل انخراطه في الثورة ومستواه، وإن عدم الاستفادة من جميع الجهود، مهما كان حجمها ونوعيتها، يؤشر إلى وجود مشكلة في الثورة، لابد من حلها. هنا، ربما يكون ضرورياً، تذكير البعض ممن يعطون لأنفسهم، حق توزيع شهادات الوطنية والكفاحية، والتهكم على الذين غادروا سوريا بأن عدداً كبيراً من هؤلاء المغادرين، كانوا سباقين إلى الانخراط في الثورة ومؤسسين لتنسيقياتها، وأنهم تعرضوا للاعتقال أكثر من مرة، وأمضوا أشهراً في الزنازين قبل أن يقرروا، لهذا السبب أو ذاك، مغادرة سوريا، وذلك بعد مرور أكثر من عام على الثورة، بل إن بعضهم لم يمض على خروجه منها سوى أسابيع. وعليه، نظن، أن حصر مقاربة ظاهرة هجرة الناشطين بمسألة الكفاحية والاستعداد للتضحية، هي مقاربة تفتقد الموضوعية.

إذا كان هذا التذكير، لا ينتمي إلى ميدان السياسة، فإن أسئلة السياسة التي تطرح نفسها، هي: هل ترك خروج الناشطين من سوريا ذلك الفراغ الكبير الذي يتحدث عنه البعض؟ وهل أن عدم تمكن الناشطين في الداخل من ملئه، مرده قلة عددهم، أم الظروف التي لم تسمح لهم بذلك؟ وفي ظل تزايد شكاوى الناشطين من أنهم باتوا حبيسي منازلهم، سواء في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، أو في المناطق المحررة الخاضعة لسيطرة القوى المتطرفة، فهل ستحدث عودة الناشطين إلى سوريا نقلة في الثورة؟

لاشك أن هناك من ناشطي الخارج من يعيش تناقضاً بين البقاء حيث هو، أو العودة إلى سوريا. لكن ألا يوجد في الداخل من يعيش التناقض نفسه معكوساً، بين البقاء في سوريا أو مغادرتها؟ ليس القصد من إثارة هذه الأسئلة الدفاع عن الناشطين الذين غادروا سوريا، أو التقليل من بطولة البقاء حيث الثورة مشتعلة. فالفرق كبير، بين أن تعيش تحت القصف اليومي، وبين أن تكون بمنأى عن كل ذلك في هذا البلد أو ذاك. لكنها محاولة لمقاربة الحقيقة.

الثورة هي امتحان للمثقفين والناشطين السياسيين. ورغم أن شروط الامتحان في الثورة السورية كانت أقسى مما كانت عليه في ثورات الربيع العربي، إلا أن النجاح كان حليف نسبة لا يستهان بها من مثقفي سوريا. لكن صعوبة الامتحان، حالت دون حصول جميع الناجحين على درجات الامتياز. وإذا كان لكل ثورة رموزها، فإن للثورة السورية رموزها الذين نعتز بهم، لكن انتصار الثورة لا يشترط أن يتحول الشعب كله إلى رموز.


كاتب فلسطيني

9