عن المحلية والعالمية

السبت 2017/08/12

في البدء أقول، لقد عرفنا العالم من خلال الكتابات الأدبية، وهي تتناول أكثر شؤون الحياة محلية، ولولا المحلية في الأدب لما كانت العالمية، حتى على صعيد المصطلح.

أعرف أن هذا الموضوع كُتِبَ عنه الكثير، ولا أضيف شيئا مهمّا في ما سأكتبه عنه، وما أعادني إليه هو أنني قرأت رواية “قطار باتاغونيا السريع” للروائي لويس سبولفيدا، وهو كاتب وناشط سياسي من تشيلي، يقيم في ألمانيا، وهي رواية قصيرة -نوفيلا- ترجمها إلى العربية الكاتب الأردني إلياس فركوح.

تتناول الرواية سيرة أحد المغامرين الذين اشتهروا في منطقة باتا غونيا في الأرجنتين باسم مارتن شيفيلدز، وقد جاء إليها من الغرب الأميركي في بداية القرن العشرين، فأقام فيها وعمل وتزوج واشتُهِر وقُتل، ومن خلال هذه السيرة نتعرف على تفاصيل حياة الناس هناك.

وفي هذا السياق تدخل الأسطورة، كما عرفنا ذلك في السرد اللاتيني، حيث يتداخل المتخيَّل مع الواقع فلا تجد حدا بينهما؛ إذ يأخذ الواقع من المتخيَّل ويأخذ المتخيَّل من الواقع.

لقد عرفنا أميركا اللاتينية على جميع صعد الحياة ومعطياتها من خلال الرواية، أكثر مما عرفناها من خلال أجناس الكتابة الأخرى.

وأنا شخصيا، كانت إطلالتي الأولى على هذه القارة الاستثنائية في كل مناحي الحياة، عبر رواية “أرض ثمارها من ذهب” للكاتب البرازيلي جورجي أمادو، وكنت أيامذاك في سن الصبا، أي قبل مرحلة الشباب، وقد فتح جورجي أمادو، الباب واسعا أمام الكتابات الروائية اللاتينية، بكل فرادتها وثرائها الفكري والجمالي، حيث شاركت الرواية الأوروبية والأميركية حضورهما لدى المتلقي، حتى كادت تتقدم عليهما في بعض الأحيان، كما كان الأمر مع المبدع اللاتيني العظيم غابرييل غارسيا ماركيز، الذي وصل إلى المتلقي في كل أنحاء العالم وبجميع اللغات، وهو الذي لم يتجاوز الشأن المحلي اللاتيني، في جميع رواياته وقصصه القصيرة، إنسانا ومكاناً وأحداثاً وقضايا وصراعات.

وقبل ذلك، عرف المتلقي في معظم أصقاع العالم، روسيا من خلال روائييها العظام، تولستوي ودستويفسكي وغوغول وتورجنيف وغوركي وغيرهم، وعرف الاتحاد السفييتي -الحقيقي- وليس المُصَنَّع دعائيا، سلبا وإيجابا، من خلال نصوص روائييه، أمثال شولوخوف وباسترناك وغيرهما.

إن العالمية في الأدب، واقعا ومصطلحا، أمرٌ ملتبس حقا، ومن الصعب تحديد الموضوع العالمي في النص الأدبي، مقابل يُسر تحديد الموضوع المحلي، حتى لا أكاد أتمكن من تحديد “العالمي” في الكتابة الأدبية، بينما يمكن أن نقول إن الوصول إلى العالمية، انتشارا في التلقي، يكاد يكون الطريق إليها عبر ما هو محلي، في كل آداب الأمم والشعوب.

وعلى سبيل المثال، لقد عرفنا مجتمع المدينة المصري -القاهري تحديدا- من خلال سرد نجيب محفوظ، وقد طرق محفوظ باب العالمية من موقعه الإبداعي، وليس المكاني فقط، في الحي القاهري.

إن الكتابة من الفضاء المحلي لا تعد شرطا للمحلية، فقد يكتب المبدع من منفاه، ويكون أقرب إلى وطنه، ممن يعيش في رحابه.

وعن هذه الحالة قال لويس سبولفيدا، وهو يقيم في ألمانيا “أشعر بأنني أميركي لاتيني، على نحو أقوى مما كنت عليه عندما كنت أعيش في أميركا اللاتينية، ولكنني لا أعتقد بأنه من الضروري أن تجيء إلى أوروبا، لكي تكتب أدبا أميركيا لاتينيا، وبمقدوري أن أكتب في أي مكان من العالم، فالمساحة، وعليّ أن أعترف، تتيح وتوفر إمكانية النظرة البانورامية الشمولية للقارة، وحقيقة الحياة هناك”.

لقد تعلمنا من النصوص الأدبية التي أنتجها مبدعوها في ظل تمثل المحلي، ما لم نعلم، وكان انتشار تلك النصوص عالميا، بتأثير مقومات فكرية وجمالية، تقف المحلية في مقدمتها.

كاتب عراقي

16