عن الهلع السوري في ليلة باريس السوداء

الجمعة 2015/11/20

أصيب معظم السوريين المتواجدين في فرنسا، بحالة من الهلع الضمني، بعد الليلة المأساوية التي حصلت في باريس، في يوم الجمعة 13 نوفمبر الفائت، وأظن أن سبب هذا الهلع، يعود إلى ارتكاسات نفسية، تراكمت لدى كل سوري منذ اليوم الأول من العنف الموجه، من النظام السوري، تجاه الثورة السورية.

إنه خوف من الظلم والشر بكل أنواعه، ولأن الرغبة الفطرية عند كل إنسان، في إيجاد الأمان، قد تتعدى مفهوم الأمان الشكلي في المجتمع، لتصير رغبة في تحديد مفاصل الأمان البديهية، من مثل تأمين طعام الإنسان، وكل ما يلهيه عن دوافعه العدوانية.

فقد كان الخوف والحزن خليطا متماسكا، في ليلة باريس المريرة تلك. إن باريس المدينة الفاتنة، التي فتحت قلبها للناشطين السياسيين والمثقفين السوريين، الهاربين من نظام الأسد، تكاد تكون أكثر المدن رهافة في فهمها لصلب قضية السوريين وثورتهم، القضية التي باتت الآن دولية، وتشبه في نكبتها المعنوية، الخذلان الفلسطيني ونكبة عام 1948.

إنَّ جل السوريين اليساريين، هم من تواجدوا في باريس، لذا فخروج مواقع التواصل الاجتماعي، بمظهر جديد للسوري، هو أمر لا يدعو إلى الاستغراب، مظهر السوري الهجين من خيبته وتغريبته الساذجة، ذلك السوري الذي لم يجد مكاناً ليضع ذاكرته وحمولته الثقافية في أي مكان، وباريس كانت مكانا منصفا جدا لتلك الحمولة، بما فيها من خوف ورهاب وتكميم، وما تلخصه من تشنج الإنسان السوري المقهور الذي أتى، لا ليبقَى بل ليحتمي، إن التماس الكارثة التي وقعت في باريس، الكارثة التي حصدت أرواحا بريئة، جعل كل السوريين اللاجئين أو المقيمين في فرنسا حساسين بشكل مفرط لما سيكون وراء الأمر، هذا عدا عن الرعب المباشر الذي سببه هذا الاعتداء، اعتداء بدافع إجرامي وحسب، على أناس لم يفعلوا أي ذنب تجاه أحد.

هذا الاعتداء، يرعب حقاً أي سوري في فرنسا، خصوصاً أن السوريين، لديهم تجربة مريرة، بالتنكيل الممارس من قبل نظام الأسد تجاه كل من طالب بالحرية، الحرية بمعناها المطلق والواسع. وعلى ما يبدو فإن القصة السورية، عن ثورة يتيمة، لن تنتهي باكراً، من هذا القرن، الذي افتتح عقده الثاني، بأكثر الأهوال البشرية الواقعة على الشعب السوري، شناعة. كما أن العثور على جواز سفر سوري، على مقربة من أحد الانتحاريين، أفرز الرغبة التطهيرية العظمى، على الرغم من وجود شخص فرنسي، بين منفذي الهجوم أيضاً، وهو أمر طبيعي أن يوجد بين كل جنسيات العالم قتلة، ولو أن السوريين هم أول من عانى ويعاني من القتلة في بلادهم.

اليوم الأسود في باريس، له تبعات سياسية كثيرة، لكن الأذن يجب أن تصغي إلى شيء أكثر أهمية: من نحن في بلدان اللجوء؟ وما هي بالنسبة لنا؟

كانت باريس الزهرة المتفتحة من أجل نجاة سوريا، كانت نبضاً هادئاً، لعدل ما. وستبقى كما هي باقي المدن التي تحاول إيجاد عدل ما، تجاه الثورة السورية. لن يتغير أناس باريس، لكن السياسة حلقات من الجنون واللهو والمقامرة.

لابد من إضاءةٍ، من أجل باريس، ومن أجل فرنسا، لا لشيء، ولكن لأن هذه اللحظة الصعبة، تشبه كل لحظات السوريين الصعبة، وليس هناك أسمى من إضاءة الليل، أي ليل، وفي أي مدينة، ليس هناك أجمل من تسامي أناس دُومَا، في ريف دمشق، وإرسالهم رسالة تضامن، وتعزية لأناس باريس.

عدونا واحد نحن البشر، في هذا اليوم، عدونا هو الجهل، وهو الظلام، وقتل الحب. فلمَ لا نوجد صوتاً واحداً ضد هذا الطغيان، طغيان السواد على الضوء الأثير، المبهج والمنصف لقيمة الحياة. سوريا تستحق أن تكون بلداً يأتي منه الضوء، كما هي باريس عاصمة النور والمحبة.

شاعرة من فلسطين مقيمة في باريس

9