"عن الهوى والجوى" حكايات في الحب والمرأة

المسلسل كتب على شكل سداسيات بحيث تحكي كل منها قصة محددة، والسداسية الثالثة أوغلت عبر التاريخ الزمني لكي تجسد لنا قصة عاشها أطرافها بين زمنين.
الاثنين 2019/05/27
قصص حب مختلفة تقدم صورا من الواقع السوري

ماتزال ثيمة الحب من أبرز الثيمات الفنية التي يمكنها أن تحمل أبعادا فنية وفكرية كثيرة، ففي الأعمال الدرامية مثلا تتحول قصص الحب إلى أضواء كاشفة لخبايا المجتمع والنفوس البشرية.

إلى أين يمكن أن يتجه بنا الحب؟ فالهوى هو البداية، والجوى هو النهاية. عبر هذا العنوان العريض يتجه مسلسل “عن الهوى والجوى” ليقدم في ست سداسيات، ثلاثين حلقة تقدم موضوعات اجتماعية مختلفة لبيئات متعددة، تتراوح بين القمة والقاع، لكي تطرح مجموعة من القصص التي يبدو أن كاتبي المسلسل، شادي كيوان وفادي سليم، قد أرادا التركيز في بعضها على ثيمات محددة، فضمن محور الحب الأساسي، هنالك تركيز على حالة المرأة، وكذلك الأمراض العصية التي تظهر في حياة الناس.

“عن الهوى والجوى”، مسلسل أنتجته المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني في سوريا وهي جهة حكومية، ضمن مشروع “خبز الحياة”، الذي بلغ حجم إنتاجه في هذا الموسم سبعة أعمال. كتبه بمشاركة شادي كيوان ثم أخرجه فادي سليم. وشارك فيه عدد كبير من نجوم الفن في سوريا مثل منى واصف، غسان مسعود، محمد حداقي، وفاء موصلي، جلال شموط، علا الباشا، مرح جبر، جمال العلي، تولاي هارون، جيني اسبر، يزن الخليل، فائق عرقسوسي، رشا رستم، روبين عيسى، ضحى الدبس، يحي بيازي، علاء الزعبي،  محمد الأحمد، عبير شمس الدين، رنا شميس وآخرين.

كتب المسلسل على شكل سداسيات، بحيث تحكي كل منها قصة محددة. وهو شكل درامي دأبت على العمل عليه الجهة المنتجة عبر العديد من الأعمال السابقة، وحقق لها ظهورا خاصا في ساحة العمل الدرامي السوري تفاوتت درجات نجاحه بين الجيد والعادي. وقد أخذت بعض أفكاره من أفلام عالمية شهيرة.

كشف لخبايا المجتمع والنفوس البشرية
كشف لخبايا المجتمع والنفوس البشرية

في السداسية الأولى، التي حملت عنوان “حب للإيجار” قدم العمل قصة غريبة ونادرة، فيها الكثير من التشويق والإثارة، حيث يعرض شاب غني (علي سكر) الزواج على شابة فقيرة اسمها فادية (علا الباشا) كانت تعمل عنده في أحد المطاعم الفاخرة بدمشق. ولكن هذا الزواج ليس نتيجة لعلاقة حب كما جرت العادة، بل كصفقة اجتماعية أسرية يتبادلان فيها المنفعة، ترفض الشابة العرض وتحاول بأكبر جهد ممكن أن ترده، لكن ظروف حياتها القاسية في البيت وتسلط الأب عليها وإلحاح الشاب على الفكرة يجعلها تقبل الزواج به، حيث يقدم لها مكتسبات مالية كبيرة، بينما تقدم له فرصة أن تكون زوجته على الورق فحسب.

وبحسب الاتفاق، أنهما سينفصلان بعد فترة ليست طويلة، تحت عذر أنه عقيم، وهو المبرر الذي سيختبئ خلفه لكي يتخلص من إلحاح والدته على زواجه وعروضها المتتالية. المشوق في كل ذلك، أن الشاب الذي لا يريد الزواج من الفتاة الفقيرة ولا من غيرها، يضمر سرا دفينا في جوفه، وهو أنه مصاب بمرض الإيدز، الذي أصيب به نتيجة علاقة له مع شابة في أوروبا، وهو لا يريد أن يورط أحدا بنقل العدوى إليه، ليعيش في حالة من الهذيان بين ضغوط الوالدة والمجتمع ومن ثم المرض السري الذي يخفيه.

 وكما هو متوقع ترفض الوالدة الزواج بكل قوتها، وتسمع الشابة كلاما جارحا، ثم تمرض فتموت، مما يزيد من الضغط على الشاب فيستسلم لواقع بائس محملا نفسه مسؤولية موتها، لكن الزوجة الشابة التي كانت معه ضمن صفقة، تنشد إليه فلا تتركه كما سبق واتفقا، بل تعود إليه لكي يتابعا مسار الحياة في ظروف طبيعية تحمل أفق النجاح والسلام.

السداسية الثانية، حملت عنون “ذنب” كتبها شادي كيوان، وتذهب بنا نحو قاع المجتمع السوري، حيث الفقراء والمهمشين، تقدم قصة حب جمعت بين شاب يعمل ميكانيكيا (مصطفى المصطفى) في حي شعبي، يحب جارة له تعمل في صالون لتزين الشعر (علياء السعيد)، ثم لا تلبث أن تتحصل الشابة على مبلغ مالي صغير لتشكل مع والدتها صالونا خاصا بهما، لكن أحد الأشرار في المنطقة يعلم بأمر المال (يحيي بيازي)، فيتفق مع  صديق (محمد حداقي) له على سرقة المال من البيت، فيدخلان للسرقة بعد أن علما أن البنت ووالدتها خارجه، وعند السرقة يفاجآن بأن الشابة في المنزل، فيهرب أحدهما بينما يقوم الآخر باغتصابها، ومن ثم الحصول على صور فاضحة لها تحت تهديد السلاح. وتهديده بنشرها على النت لو لم تسجب له، لتدور أحداث متصاعدة دراميا تصل بالحكاية إلى أن يتراجع أحد اللصين، ويرجع المال لأصحابه، في الأثناء يعرف الحبيب الحقيقة التي أخفتها حبيبته عنه فيمسك سكينا محاولا الاقتصاص من الجاني.

السداسية الثالثة، ذهبت في اتجاه آخر، حيث أوغلت عبر التاريخ الزمني لكي تجسد لنا قصة عاشها أطرافها بين زمنين، حملت عنوان “لحظات”. قدم العمل فيها نماذج من شخصيات حياتية معيشة، بين زوجين شابين، يعملان في سلك الحقوق، تنشغل الزوجة دائما في عملها، فتترك فراغا كبيرا في البيت، الأمر الذي يخرج الزوج عن طوره وصبره، ثم تنقلنا الحكاية ما يقارب الخمسين سنة إلى  الوراء، حيث قصة حبيبين، شاب فقير في قرية سامح (السدير مسعود)، وشابة ابنة أحد كبار الإقطاعيين ليلى (دانا جبر)، تنشأ بينهما علاقة حب رغم كل الأهوال والمآسي التي أحاطت بها نتيجة رفض البئية لها.

 وفي نقلة نوعية تشكل حدثا دراميا هائلا، وبعد تكوين أسرة وأولاد، تمرض الحبيبة الزوجة مرضا عقليا (ألزهايمر)، فتفقد القدرة على التذكر، وينتهي بها المقام لتكون نزيلة في بيت للمسنين الذين يعانون من أمراض عقلية، وسط عناية أهلها بها. وفي تصاعد وتقاطع دراميين تصل بنا الحكاية إلى مناطق آمنة في حياة هؤلاء، وسط حالة حب تجمع الكل. في هذه السداسية، يلقي صناع العمل الضوء على حالة هذا المرض الذي لا يتعامل معه الناس بشكل سوي. فعبر مسار الأحداث، يقوم سامح (غسان مسعود) برواية حكايات لزوجته المريضة، عن حياتهما، علها تتذكر شيئا.

15