عن بلاد لا نوافذ فيها

الخميس 2015/10/08

خمسة آلاف دولار تقفل ملحق نوافذ، وهو الملحق الثقافي الوحيد في الجرائد اللبنانية الذي لا يزال حيا، حدث ذلك في اللحظة التي بات فيها كل شيء في البلد يتخد منحى إلهيا، إذ لم يعد أصحاب أي قضية يقبلون بأن يعبروا عنها بأقل من حدود راديكالية قصوى، لا يخاطبون من خلالها أحدا، بل يتلون التعاليم والوصايا، ولم يعد أحد يقبل أن يخاطب رأيا عاما، أو يعترف بوجود متلقين يحاول التأثير عليهم وإقناعهم بعدالة قضيته.

صار الجميع في البلاد الآيلة للمجزرة آلهة؛ الآلهة لا تنتج كلاما، بل تنتج الصمت والوجوم، هكذا صار الكلام ممتنعا أو خارج السياق كله. كان ملحق نوافذ آخر محاولات إنشاء الكلام ومحاولة تدبير شؤون التواصل من خلاله، إقفاله يدل على شيوع الحاجة العامة إلى قتل الكلام، لأنه لم يعد ممكنا لأيّ طرف سياسي في البلاد أن ينتزع لنفسه حيزا من خلاله، فلم يعد الكلام يصلح ولو لتأبين القتلى، فقد بات القتلى يؤبنون بقتلى آخرين، الموت يفتح على موت والمجزرة المفتوحة نهاية مفتوحة للكلام، وهي كالنار تأكل كل ما يدخل فيها، وقد دخلت فيها الجغرافيا والتاريخ، وها هو الكلام يدخل فيها كذلك.

البكاء بما فيه من عقلنية ممنوع لأنه يسيء إلى قداسة القتل، ويفترض لحظة توقف تساءل الموت عن عناوينه، وتساءل القتل عن أسبابه، والنفس عن هويتها في لحظة الذبح الكبير وكيف تتحدد وانطلاقا من ماذا؟

كل هذا بات ممنوعا وممتنعا بل متطلبا للقتل، لا أحد من حقه أن يسأل الآلهة عن أسبابها، الحكمة ستصل وقد اعتدنا أن تصلنا على جسر من الجثث، وأن تكون دوما حكمة من جنس الطريق الموصل إليها.

ملحق نوافذ لم يكن سوى بحث أخير عن حكمة أخرى، لعل جدواه يكمن في أنه كان يخوض معركة يائسة، ولكنه لم يكن يأسا، لعل اليأس الذي حل بعد إقفاله يقول لنا إن الكتابة لم تعد ممكنة سوى بالدم، وإن الحبر لم يعد مادة صالحة للكتابة بل صار استعماله حكرا على القتلى الذين لا صوت لهم ولا رثاء؛ الحبر بات صورة للقتلى الداخلين في النسيان.

الخيارات التي يطرحها علينا إقفال ملحق نوافذ هي أن نكون قتلة أو قتلى، وطلب الانتساب الذي علينا تقديمه للدخول في نادي القتلة يفترض بداية شرطا أوليا، يقضي بضرورة أن يكون في جعبتنا على الأقل قتيل واحد هو ما نحن عليه، علينا أن نطلق النار عليه، ونمثل بجثته ونشوهها، ونعلن البراءة منه على الملأ.

الدخول في زمن القتلة وهو الزمن الوحيد الحي حاليا، يفرض علينا أن نقوم بمجزرة ذاتية ضد كل ما يشكلنا وما يصنعنا، وكل ما كان في لحظة حميما وغاليا.

على كتاب الملحق لكي يجدوا عملا في الصحافة المتعسكرة عموما أن يشهروا سجلا مهنيا جديدا للغاية يتألف من عدة خالصة الجدة، كأن يعلن أحدهم عن استعداده الكامل لأن يكون الناطق الرسمي باسم البراميل المتفجرة، وأن يعلن آخر أنه مستعد لأن يقدم نفسه كباحث متخصص في الدفاع عن شؤون الذبح المقدس.

ما آل إليه ملحق نوافذ من نهاية مرة كان من الممكن تجنبها بكلفة ضئيلة، يقول إننا بتنا في لحظة الإجماع على احتقار التفكير، هذا سياق لا يتمايز أحد فيه، يقول بوضوح إن ما نحياه فيه ليس عابرا، بل إنه زمن مكتمل الأركان والمعالم، يصنع أبطاله من رماد الكتب والكتاب والكتابة، ومن جثث الأفكار والتفكير والمفكرين. خمسة آلاف دولار قضت على الملحق، وافتتحت عهد ميتات البلاد اللامتناهية بخمسة آلاف ميتة باردة.

شاعر وصحفي من لبنان

14