عن تدمير داعش للتراث ودلالاته التاريخية

الجمعة 2015/03/06

لم تكن مفاهيم الهيئات الدولية المعنية بالحفاظ على التراث وحفظ ذاكرة الشعوب، كاليونسكو وغيرها، معروفة في العصور القديمة والوسطى، لذلك من الفساد العقلي أن نحاكم عمليات تدمير الأصنام بعد فتح مكة على يد النبي محمد وصحبه وفقها، كما أن إرجاع عملية تدمير الإرث الحضاري لنينوى على يد داعش، لممارسة النبي في تدمير أصنام مكة ضربا من ضروب الفساد العقلي أيضا، وهذا ما يهوى بعض “الحداثيين” الغوص فيه. شكّل هذا الحدث الهمجي ذو الأبعاد المعقدة فرصة لتبادل التعليقات والتحليلات المختلفة.

نقول الهمجي وفق مفاهيم عصرنا، إلا أن هذا العصر شهد أيضا الكثير من ممارسات التدمير الحضاري والتراثي للشعوب، وربما نجد في عملية “فرنسة” الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي لها، وطمس تراث شعبها وهوياته الإثنية والدينية وحتى لغته، أكبر عملية همجية بحق تراث ومخزون ولغة، ومن المعروف أن اللغة هي المعبر الأبرز عن هوية أي شعب من شعوب الأرض.

الشرفة الأساسية التي يجب أن نقف عليها، هي تلك التي تتيح لنا رؤية مكانة الرموز التراثية والسياسية والفكرية في عملية الصراع، فطالما كان للرموز أهميتها في أي بنية مجتمعية عرفها التاريخ، فهي التكثيف الرمزي للمحتوى السياسي والاقتصادي والثقافي لأي منظومة “وطنية” أو مجتمعية، وتدخل في صلب التشكيل الثقافي للبنية الأيديولوجية للمنظومة، بالتالي تشكل ميدانا للصراع على المستوى الثقافي، الذي بدوره هو تعبير عن صراع أكثر عمقا يشمل مجمل التناقضات داخل البنية الواحدة، أو بين منظومتين متصارعتين تسعى كل منها لإخضاع الأخرى.

لذلك عملت كل الامبراطوريات والسلطات المتصارعة، على تحطيم رموز الآخر وما تحتويه من دلالات وتكثيفات، كجزء من عملية الإخضاع وفرض السلطة الثقافية البديلة التي تتماشى مع الوضع الجديد، وضرورات الطرف المنتصر لتحقيق السيادة التاريخية الشاملة.

في هذا السياق نضع ما يحاول البعض تفسير ممارسات داعش به، أي تدمير أصنام مكة بعد فتحها، حيث مثّل الإسلام الناشئ من رحم التناقضات المستعصية في البنية المجتمعية لقريش، انتصارا ثوريا لواقع تاريخي جديد، ولم يكن تدمير أصنام مكة سوى إعلانا لهذا الانتصار بكل معانيه الواقعية والرمزية، وكان ضروريا من أجل إحلال القيم الجديدة وما يعبر عنها من رموز على الصعيد السياسي والاقتصادي، فكانت الرموز الإسلامية هي السائد الجديد، غير آبهة لما يمكن أن تعنيه الرموز القديمة في المستقبل من دلالات جديدة تتعلق بدراسة التاريخ والثقافات والشعوب وما تنص عليه الشرعات الحديثة للأمم المتحدة.

هذا التماثل في الممارسة يسحب نفسه في كل زمان ومكان، طالما أن الصراع هو الديدن الأساسي للتاريخ، لذلك ورغم المسافة الزمنية الكبيرة إلا أن الممارسة استمرت كضرورة من ضرورات الإخضاع وتكريس السلطة للمنتصرين، بل اتخذ الأمر أشكالا أكثر حدة وشمولية، في الاستعمار “الحداثي” كحالة فرنسة الجزائر التي أشرنا إليها، كما أنها مرافقة لكل ثورات الشعوب أو حالات الاحتلال، كما تمارسها الأنظمة الاستبدادية عبر طمسها لأي محتوى فكري وثقافي ذي دلالة مناقضة لطبيعته وبنيته، ونشهدها في اعتقال وقتل الرموز الحية وقيادات في التجمعات المعارضة أيضا.

داعش الذي افتتح عهد سيطرته على الموصل، بتفجير جامع النبي يونس التاريخي، رغم أنه يعود إلى أوج العصر الإسلامي، وصولا لتدمير معظم التراث الحضاري والثقافي للمدينة، من المكتبة الثقافية التي تحتوي أكثر من أربعة آلاف كتاب، حتى تدمير متحف نينوى الذي يحتوي مقتنيات من العصر الآشوري الأول والثاني، فضلا عن ممارسات قتل بكل صنوف الوحشية، يدخل في صلب السياق الذي تحدثنا عنه فهو كجماعة سلطوية يسير وفق نفس الديدن العام لزملائه في التاريخ. فهو بات يمثل مشروعا سلطويا شديد الخطورة، يمثل له التراث الثقافي والتاريخي لمدينة الموصل، وعموم البلاد التي يستهدفها، مكونا أساسيا من مكونات الثقافة التي تعبر عن البنية السائدة والتي يمكن أن تبعث كبديل لمشروعه، أي البنية الوطنية التي تشكلت وفقها الدولة العراقية، أو ما يمكن أن ينشأ في المستقبل ليصارعه ثقافيا، لذلك تدميرها ومحوها، بآثارها المادية والمعنوية ضرورة من ضرورات سيادة منهجه الفكري ورموزه التي تتوافق مع نظام اجتماعي بديل يسعى لبنائه، وفق رؤيته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، والتي تتوافق مع التكوين البنيوي لتنظيمه.


كاتب عراقي

9