عن توجيه الحرب على القاعدة لتعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني

الأربعاء 2013/11/06

اعتبر كثيرون أن زيارة نوري المالكي لواشنطن تندرج في مسعى الرجل لتجديد ولايته في انتخابات عراقية لاحقة غير معلوم ميقاتها بعد، ولا قانونها أنجز. في واقع الأمر إنه ليس لواشنطن حلفاء أكثر من الشركاء الحالين والسابقين للمالكي. وإذ لا يخلو من صحة الاستخلاص حول الدعم المأمول للمالكي المستفرد بالسلطة، فيجدر الانتباه إلى أن الدعم الأميركي للرجل لم يتوقف، كل ما في الأمر أنه ينشد المزيد منه في مواجهة شركائه من أمثال عبدالعزيز الحكيم ومقتدي الصدر. ومغزى ذلك أن واشنطن (إلى جانب طهران بالطبع) باتت مرجعية شبه معلنة لبعض الوجوه السياسية النافذة في بلاد الرافدين.

توقيت زيارة المالكي كان مناسباَ إلى حد بعيد للرجل فقد جاءت الزيارة في أجواء التقارب الإيراني الأميركي. لم تشكّل الزيارة حرجاً لطهران كما في زيارات سابقة أدّاها المالكي لواشنطن، بل على العكس فإنها بدت بمثابة تحرك مطلوب ومرغوب من طرف حليفها في عاصمة الرشيد، بما يعيد إلى الأذهان أجواء التفاهم الضمني العميق بين طهران وواشنطن، لدى اجتياح أفغانستان والعراق حين تولى الشيطان الأكبر إزاحة أعداء طهران من طالبان إلى صدام حسين.

وفي السياق الطويل منذ 12 عاما، بعد أحداث أيلول 2001 وبداية الحملة الأميركية على الإرهاب وحتى أيام الناس هذه، يتمظهر الخصام بين طهران وواشنطن باعتباره ذي حمولة أيديولوجية عقائدية أكثر مما هي سياسية. طهران بحاجة إلى هذه الخصومة من أجل دوام التعبئة الأيديولوجية لشعبها وكتم المعارضة الداخلية وكيل الاتهامات لها بالولاء للغرب وخاصة واشنطن، وواشنطن في عهد الجمهوريين بحاجة إلى «محور شرّ» لشحذ الهمم الوطنية في الداخل وتبرير عسكرة السياسة الخارجية آنذاك.

مع تراجع النزعة العسكرية التدخلية، وتغليب الاعتبارات السياسية في عهد الديمقراطيين فقد كان من المناسب صعود روحاني إلى رئاسة الجمهورية في طهران كي يلاقي أوباما في استخدام نبرة حمائمية، تنبئ عن ضمور الخصومة الإيديولوجية وتعايش الحضارات والرفع من شأن الحوار، وذلك من أجل اكتشاف مصالح سياسية مشتركة وتنميتها. وأول مصلحة لكلا الطرفين هي تبريد العداء وكسر القطيعة في سبيل التقدم، وإن ببطء مدروس نحو التطبيع المتبادل.

الإشارة هنا إلى إيران واجبة، إذ يصعب تلمس وجود سياسية خارجية عراقية مستقلة، وقد حاول وزير الخارجية هوشيار زيباري انتهاج بعض الاستقلال عن إيران في السياسة العراقية، فأجبر من رئيسه غير مرة على الخروج بإجازة. وكل سياسة خارجية في العراق مناطها خدمة المصالح الإيرانية البعيدة، ويجري تغليف هذه المصالح بروابط دينية. ويلاحظ هنا أن ضمور الموقع الديني والسياسي للمرجع السيستاني في العراق، يعود إلى تغليب الاعتبارات الأيديولوجية والإستراتيجية التي تجمع المجموعة الحاكمة في بغداد مع طهران، خلافا للنزعة الاستقلالية التي يتمتع بها السيستاني. إضافة إلى أجواء التقارب الإيراني- الأميركي المواتية، فإن «التطورات» في سوريا تضفي أهمية على زيارة المالكي. فقد اكتشفت بغداد المالكي كما حزب حسن نصر الله في لبنان أهمية الاستثمار- واسع النطاق ولأقصى حد- لوجود أطراف مرتبطة بالقاعدة في سوريا، وأهمية وأد انتفاضة الشعب السوري من خلال الحرب على تلك الأطراف. وبما أن القاعدة هي العدو الأول لواشنطن، إذن فثمة مساحة لقاء كبيرة وواسعة يحسن استثمارها واستغلالها. وبفضل وجود تنظيم داعش (دولة العراق والشام الإسلامية) على أراض سورية، فقد أمكن للمالكي ونصر الله إنكار وجود شعب سوري، والقفز عن مطالبة هذا الشعب أسوة بكل الشعوب بالحرية والكرامة، واعتبار انتفاضة هذا الشعب انتفاضة قاعدة.

وإذ يتهم المالكي بقايا البعث في بلاده بالتواطؤ مع القاعدة، فإنه لا يجد غضاضة من التحالف مع البعث في دمشق لمحاربة القاعدة وغير القاعدة من المنتفضين السوريين. ومحاربة هذا التنظيم كانت العنوان الأبرز لزيارته إلى واشنطن، ولقاء الساعة ونصف الساعة مع أوباما في البيت الأبيض السبت 2 نوفمبر الجاري.

من المهم التساؤل هنا عما فعله المالكي منذ انسحاب القوات الأميركية قبل نحو عامين، من أجل إرساء وفاق وطني، وإقامة دولة القانون والفصل بين السلطات، وفي سبيل تأمين بيئة سياسية مواتية لمواجهة القاعدة والميليشيات غير الشرعية. إن الحرب على القاعدة ليست بالأمر المستجد، وعلى أهمية هذه المعضلة فهي ليست المشكلة الأمنية والسياسية الوحيدة التي ينوء العراقيون تحت وطأتها. ومن الواضح أن التركيز على القاعدة من دون المعضلات الأخرى، يراد به صرف الأنظار عن التقصير الأمني وضيق الأفق السياسي، والضعف المؤسسي في دولة يتولى فيها رئيس الوزراء إلى جانب منصبه، مهمات وزارات الداخلية والدفاع والمخابرات العامة.

التركيز على هذا التنظيم واختزال كل المشكلات بوجوده، يساعد أطراف الحلف في دمشق ولدى حزب حسن نصرالله، بالتمويه على حرب الإبادة الجارية في سوريا منذ نحو 32 شهرا، والسعي إلى إعادة تعويم النظام دولياً، علماً إن القاعدة الإرهابية نفسها لم تتورط في استخدام السلاح الكيماوي على نحو ما جرى في غوطة دمشق. أما السيد نصرالله المعني بالزحف على المؤسسات اللبنانية وتعطيلها أو مصادرتها والاستيلاء على القرار السياسي للدولة اللبنانية، فإنه يجد في حربه المعلنة على التنظيمات التكفيرية، أفضل غطاء (مقبول إقليميا ودوليا) لانغماسه في استباحة سوريا وتجريب حرب دموية على السوريين، وتهديم ما لم يُهدم بعد فيها. وللتذكير فإن هذا الحزب لطالما أعلن وشدد أنه لن يستخدم سلاحه سوى ضد العدو الإسرائيلي، وها هو سلاح هذا الحزب يتوجه بكثافة ضد شعب عربي.

هكذا يجري استخدام الحرب على الإرهاب، ستاراً من أجل تمكين الحلف الإقليمي الناشط بقيادة إيرانية من التقدم على طريق تحقيق أهدافه، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومن أجل نسج علاقات متسارعة مع واشنطن، وفي المحصلة فإنها أهداف تتعاكس مع مصالح الشعوب العربية في الحرية والكرامة والمناعة الذاتية وتقرير المصير، بعيدا عن التدخلات الخارجية والطموحات الإقليمية للآخرين.


كاتب وإعلامي أردني

8