عن جمهور "الإسلام السياسي"

الاثنين 2014/09/08

لسنا ننكر هذا أو نتجاهله، لسنا نتغاضى عن تنوّع الألوان بحكم الواقع والموقع، لذلك نستطيع أن نرى في كثير من الألوان بعض التباين والاختلاف، وهذا طبيعيّ كما يقال. ولا بأس بأن نوضح بالقول، لربّما يختلف خطاب الإسلام السياسي من حزب إلى آخر، من تيار إلى آخر، من بلد إلى آخر، وأحياناً من يوم إلى آخر، هذا مقبول ومعقول، لكنّ الملاحظ أنّ جمهور الإسلام السياسي- وهنا أتحدّث عن الجمهور- لا يختلف قيْد أنملة ولا يتمايز في أي شيء يُذكر، فإنّه يوالي كافّة تيارات الإسلام السياسي بالجملة ولمجرّد التسمية أو من باب الاشتراك في الاسم كما يقول المناطقة، كما لو أن القوم على نفس الملّة والنحلة.

لربّما يثير هذا بعض الاستغراب بالنظر إلى الفروقات الظاهرة بين الإسلاميين، والتي تبلغ أحياناً حدّ التناحر كما يحدث في سوريا مثلا، لكنّ المزاج العام كما هو في الشارع ومنتديات التواصل الاجتماعي، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأنّ جمهور الإسلام السياسي يتعامى إلى حد التغابي عن الفروقات والتناحرات بين الجهاديين والسلفيين والإخوانيين. والمستغرب عندنا أنّ الجمهور الذي يرفع شارة النّصر لأردوغان، هو نفس الجمهور الذي يرفع شارة التوحيد لداعش والنصرة، وهو نفس الجمهور الذي يرفع شارة رابعة لمحمد مرسي، وهو نفس الجمهور الذي يبرر تفجيرات الجهاديين، ويسكت عن أحكام الإعدام باسم الشريعة في إيران والسودان، ويلتمس لجرائم بوكو حرام الأعذار تلو الأعذار.

إنّه منطق الولاء اللاّ مشروط لكل صوت يصدح بالبسملة والتكبير، ويطالب بتطبيق الشريعة أو نصرة الإسلام، حتى ولو كان الصوت إياه لا يقصد ما يعنيه، إنه الولاء الذي يضعف ملكة النقد البناء والتفكير الحرّ لدى الإنسان، لذلك نلاحظ أنّ الجمهور الذي يحتفي بما يقوله أردوغان في دفاعه عن غزّة، هو نفس الجمهور الذي يصمّ آذانه عمّا يقوله أردوغان نفسه في دفاعه عن حقوق المثليين، رغم أن الرجل في الحالتين معاً يعي ويعرف ما يقول. وإنّ نفس الجمهور الذي يملأ الدنيا صراخا وعويلا حين ينشر رسّام نرويجي رسوماً “مسيئة للرّسول”، هو نفس الجمهور الذي يتغاضى عمّن يسيئون للإسلام بسبي النساء وقطع الرؤوس.

بالنسبة إلى جمهور “الإسلام السياسي” لا فرق بين هذا الفريق وذاك، لا فرق بين داعش والنصرة وبوكو حرام وحماس والنهضة والعدالة والتنمية، لا فرق بين فريق وفريق إلاّ في أسلوب اللعب. عدا ذلك فالكل يجتهد في تمثيل الإسلام. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

كنا نرجو إنكار هذا الخلط بين أنواع الإسلاميين، غير أن تحالفهم المريب في اللحظات الحرجة، كما يحدث الآن في ليبيا تحت مسمى “معسكر الإسلاميين”، كل هذا يثير الشك في أن الأمر ربما كما يظنه الجمهور. وهو مآل غير مأمول.

والمأمول أن يرتقي الإسلاميون إلى مستوى تجديد الفكر الديني كما كانوا يقولون ولا يفعلون. ولا يعني التجديد بأي حال الثرثرة حول التجديد، وإنما يعني القطع مع كل التراث الفقهي الذي تشكل في العصر الإمبراطوري، والذي كان ولا يزال يهيمن على الخطاب الديني المثقل بمفاهيم البيعة والطاعة والجماعة والولاء والبراء والخلافة والغزو والقتال والغنيمة والسبي والجزية إلخ، منذ ابن حنبل وابن تيمية إلى غاية المودودي وقطب والقرضاوي.

بسبب الولاء الأيديولوجي، فإنّ ذلك الجمهور لا يحترم الحدّ الأدنى من التسلسل المنطقي، ومثلاً، فإنّ نفس الأصوات التي رفضت منذ البدء مبادرة مصر لوقف العدوان الأخير على غزّة، بدعوى “البراء” من مصر/عبدالفتاح السيسي، دون أدنى مساءلة عقلانية لهذا المنطلق، هي نفس الجمهور الذي عاد ليحتفل بتوقيع هدنة القاهرة باعتبارها انتصارا تاريخيا لحماس، وهذه المرّة لمجرّد “الولاء” لحماس، ومن دون أدنى مساءلة للعلاقة بين “البراء” من المبادرة، و”الولاء” لنتائج المبادرة. وفي كل الأحوال، ذلك الجمهور “المؤدلج” لا يهمه التسلسل المنطقي للشعارات التي يرفعها وتسبب الكثير من التّشويش الذهني.

نعم، خطير هو أسلوب التشويش الذهني الذي ينتهجه جمهور “الإسلام السياسي” لغاية عدم التركيز على القضايا الأساسية. ومثلا، نراه يعلق على جرائم داعش والنصرة وبوكو حرام وأنصار الشريعة بالقول، لا يجب أن ننسى بأن التطرف الذي يهددنا لا يقتصر على التطرّف الديني وإنما يشمل “التطرف الإلحادي” أيضا. ما يعني أننا سنساوي بين من يقطع الرّؤوس ومن يفطر رمضان، بين من يختطف النساء لبيعهن واغتصابهن، طالما هنّ مجرّد متاع، ومن لا يؤمن باليوم الآخر. بل، قد يكون أسلوب التشويش أشد ضرراً أحياناً، ومثلاً في الوقت الذي رفع فيه المغرب من حالة التأهّب إلى الدرجة القصوى تحسبا لعمل إرهابي محتمل، فقد أغرق جمهور الإسلاميين مواقع التواصل الاجتماعي بشائعة تزعم بأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سيزور المغرب قريباً، ومن ثم عمّت دعوات الاحتجاج على الزيارة الوهمية، وهذا بدل الاحتجاج على الزيادة غير المسبوقة في الأسعار مثلا. وطبعا فقد ساهمت تلك الإشاعة- قبل التكذيب الرّسمي من السفارة المصرية بالرباط- في التّشويش الذهني، ومن ثمّ تفادي التّركيز على المواضيع الأكثر حساسية: تدهور القدرات الشرائية للمواطنين في ظل حكومة بنكيران وتصاعد التّهديدات الإرهابية.

أخيراً وليس آخرا، يتميّز جمهور الإسلام السياسي بالقدرة على الدّخول في حالة كمون حين لا تكون الظروف مواتية، فتختفي الرّموز وتحتجب الأيقونات وتخفت الأصوات لبعض الوقت أو لحين، وقد يطول الكمون أو يقصر وفق مقتضى الأحوال، أو في انتظار ساعة الفرج أو لحظة التمكين.


كاتب مغربي

8