عن جنة يحرّمها طبيب أزهري على مسيحية

يبقى الجدل عن المناهج التربوية والتعليمية والجذور الفقهية لاستنبات عقيدة لا تفرّق بين طبيب أزهري وأي أميّ يصدّق واعظا ينقل من فقه واكب أزمنة المدّ الإسلامي.
الخميس 2019/06/13
رحمة الله ليست حكرا على أحد

نتداول في مصر، على سبيل التندّر، نكتة قديمة عن رجلين حكم عليهما بالإعدام، وقبل لقاء الله سُمح لهما بأمنية، فطلب الأول رؤية أمه، وبدافع من سادية تستكثر هذا الرجاء الإنساني الذي لا يضرّ أحدا، اغتاظ الثاني وقال “أمنيتي ألا يرى هذا أمه”. ولم تذكر النكتة الطبيعة الإجرامية لكليهما، ولكن هذا الساديّ لا يختلف في النوع عن طبيب من خريجي الأزهر أفتى بعدم جواز الترحّم على زميلته المسيحية، ولم يختص نفسه بفتواه، وإنما سعى إلى تعميمها لكي يسدّ الطريق أمام مَن ترحّم على طبيبة التخدير مارجريت نبيل حنا، بعد أن فوجئ زملاؤها بوفاتها عقب انتهائها، الاثنين 10 مايو 2019، من تخدير ثالث حالة بمستشفى الساحل التعليمي في القاهرة. ونهى الطبيب عن الترحم على زميلته، “فلن يرحمها الله ولو استغفرتم لها سبعين مرة”، في تناصّ مع آية سورة التوبة «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم»، متجاهلا مناسبة النزول، استنادا إلى قاعدة مأثورة عن عموم اللفظ.

لا يعاني هذا الطبيب مرضا نفسيا، تلك عقيدته لو ظلت مجرد عقيدة تطمئن بها نفسه. وتكمن الخطورة في تحوّل هذه العقيدة إلى سلاح دفاعي بالتقرّب إلى الله بألا يرحم المسيحي. وفي خطوة تالية سيصير السلاح هجوميا بتخليص الدنيا من غير المسلمين، «ويكون الدين كله لله”. ويبقى الجدل عن المناهج التربوية والتعليمية والجذور الفقهية لاستنبات عقيدة لا تفرّق بين طبيب أزهري وأي أميّ يصدّق واعظا ينقل من فقه واكب أزمنة المدّ الإسلامي، أو أنتجته محنتا الغزو المغولي والصليبي للعالم الإسلامي. ويكتسب الواعظ المتطوّع، غير الرسمي، مصداقية لا يتمتع بها ممتهن الوعظ؛ فالأول في نظر عموم الناس أكثر إخلاصا ونزاهة؛ لأنه لا ينال أجرا على “الدعوة”، ويلقى تجاوبا في وسط اجتماعي يتسم بالاستعداد العاطفي للتشدد، ولولا هذا التناغم بين العرض والطلب لحوصر المتشددون الرسميون والهواة، مثل أي مطرب يعتزل حين لا يجد صدى.

طبيب من خريجي الأزهر أفتى بعدم جواز الترحّم على زميلته المسيحية مارجريت نبيل حنا
طبيب أزهري أفتى بعدم جواز الترحّم على زميلته المسيحية مارجريت نبيل حنا

ليس جديدا أن يقال إن أغلب قادة التشدد، من الإرهابيين على المستويين النظري والميداني، من المتفوقين دراسيا في كليات عملية تخلو مناهجها من تدريس العلوم الاجتماعية، مكتفية بعلوم تطبيقية يكفي حفظها لضمان تفوّق أصحاب الذاكرة القوية، أولئك الذين تعجز عقولهم عن التفكير النسبي في قضايا تحتمل وجهات نظر متعددة، ولا تخضع لثنائية الحلال والحرام، أو الصواب والخطأ، فقد يكون رأيي صائبا ورأيك أكثر صوابا، وتخضع وجهات النظر للتغير وفقا لزاوية الرؤية والتثبت من المعلومات، وهذه المعطيات تدعو العقل إلى قبول الاختلاف، والتريّث المنافي لليقين، والتخلي عن التحكم في رحمة الله التي وسعت كل شيء.

قبل عامين، في مايو 2017، تطوّع الوكيل السابق لوزارة الأوقاف سالم عبدالجليل مستشار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بإيقاد نار الفتنة، في أجواء متوترة بين المسلمين والمسيحيين في الصعيد، بقوله في برنامجه التلفزيوني “المسلمون يتساءلون” إن عقيدة اليهود والنصارى فاسدة وضالة، لكن لهم عندنا التعايش والمحبة والمعاملة الحسنة. كلام تنقصه الحكمة؛ فلسنا في أزمنة ثنائية دار الإسلام ودار الكفر، لكي نقول «لهم عندنا» عن مواطنين لا يفرق بينهم وبين المسلمين رصاص العدو الإسرائيلي، أو إرهاب اليمين الديني.

ما قاله عبدالجليل، وكان مسؤولا عن الحوار بين وزارة الأوقاف والكنيسة، هو الفكر المؤسس لما كان ينتظرنا لو تمكن الإخوان المسلمون من حكم مصر، وقد صرح مرشدهم مصطفى مشهور عام 1997 بعدم جواز إلحاق المسيحيين بالجيش؛ «لأنه سيكون مشكوكا في ولائهم.. بدلا من ذلك يجب أن نلزمهم بسداد الجزية». نشر التصريح في صحيفة “الأهرام ويكلي” الصادرة باللغة الإنكليزية، فرفع محام دعوى قضائية ضد المرشد، وتوسط البعض للصلح، فقال لهم “قولوا في الصلح ما تشاؤون، ولكن عقيدتنا لا تجيز إلقاء السلام على المسيحي، وتفرض عليه الجزية في مقابل إعفائه من التجنيد في جيش الدولة المسلمة”.

ما قاله كل من عبدالجليل المسؤول الأزهري ومرشد الإخوان، وغيرهما من الوعاظ “الوسطيين” والإرهابيين الحركيين، مأخوذ حرفيا من كتب الفقه. وأما فقه ذلك الفقه فيفرض على العقل المسلم اجتهادا عصريا، بالنظر إلى ذلك التراث باعتباره تاريخا لفقه بشري لا يلزمنا، بل يدعونا إلى إبداع فقهي جديد لقضايا لم يُحط بها السابقون علما، ويشملها التطور الأخلاقي البشري أكثر من الانصياع إلى اجتهاد تاريخي؛ فلا أحد الآن يمكن أن ينادي اتباعا للفقه بقتل الأسرى أو استرقاقهم، أو قتل تارك الصلاة بعد استتابته، أو قتل المرتد، انطلاقا من حديث نبوي، في حين تقول الآية القرآنية «إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرا، لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا”. فإذا كانت الردة عن الإسلام توجب القتل، فكيف ينجو منها المرتد ثلاث مرات؟

هذا النص القرآني، قطعي الدلالة، دعا الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، عام 2017، إلى القول إن الإسلام لم يفرض عقوبة دنيوية على المرتد. ولم يعجب كلام شيخ الأزهر المتربحين من العنف، فلم يتم تعميم التصريح في خطب الجمعة؛ ليهدأ المتشنجون، وانزوى كلام شيخ الأزهر في ذاكرة اليوتيوب المكتظة بفتاوى قتل المرتد والمتكاسل عن الصلاة أطلقها «وسطيون» أشهرهم محمد متولي الشعراوي والحبيب الجفري.

قليل من الفلسفة يعالج عطب النفوس، ويزرع قلق التفكير في العقول. ماذا لو طلب إلى طلبة الأزهر بكلياته الدينية والنظرية والعملية أن يجيبوا عن سؤال: هل يضرّ مَن تصادف أنه ولد مسلما أن يرحم الله مسيحيا أفاد الناس بعلمه وماله، ولم يمسهم بسوء؟ في هذا السؤال، وما يفرضه من تفكّر في آيات الله، كساد لبضاعة خطباء يقفون على باب الجنة، «يقسمون رحمة ربك».

13