عن حراك الحسيمة، أو شيء من المشهد المغربي

الاثنين 2017/05/22

لا شكّ أن الحراك الجاري هذه الأيام في بعض مناطق الريف (شمال المغرب)، على رأسها مدينة الحسيمة، رغم أنه قد هدأ قليلا في انتظار مواعيد أواسط الصيف القادم، قد تكون له تداعيات بالغة الحساسية على مستقبل وطننا برمته.

وليس مستبعدا أن تنفلت الأمور إذا أسيء تقديرها أو ساء تدبيرها، أو غلب الإصرار فيها على الرهان على عامل الزمن. بالأحرى، قد تنزلق التداعيات رويدا رويدا نحو خط اللاعودة.

يقال إن الوقت كالسيف. لكن يجب اعتبار الوقت أيضا بمثابة سيف ذي حدين. ما يعني أن الرهان على عامل الوقت قد لا ينتهي دائما وبالضرورة إلى عودة الأمور إلى نصابها.

في كل الأحوال، تبقى بعض إرهاصات التطرّف الديني كامنة بين العبارات في انتظار ساعة التمكين، وهذا لا يمكن تجاهله.

وأيضا تبقى بعض إرهاصات الانفصال السياسي كامنة بين الإشارات في انتظار ساعة الصفر، هذا لا يمكن إنكاره.

لكن ليس من المروءة أن ننتظر حدوث الكارثة حتى نزعم بأنّ منطلق الحراك كان خاطئا منذ بدايته. فالحكمة لا تأتي بأثر رجعي. وفي الفكر الاستراتيجي علينا أن نستحضر الاحتمالات السيئة لكي نتفاداها لا لكي نبني عليها موقفا آخر.

لا بد من التذكير بأن اتهام أحزاب الأغلبية الحكومية لأنصار حراك الريف بالنزعة الانفصالية، عبر التفوّه بتصريح سيء الذكر وقبيح الأثر، يُعتبر سقطة سياسية مدوّية، فضلا عن أنه دعاية مجانية لأنصار الاحتمالات السيئة إن وُجدوا. غير أن ذلك الاتهام المتهوّر هو دليل آخر على عمق الأزمة السياسية التي يعاني منها بلدنا المغرب منذ شهور طويلة، وربما منذ بضع سنوات.

باختصار، يمكن توصيف الحالة السياسية في بلدنـا المغرب هذه الأيام بالنحو التالي:

بعد مسح الطاولة من الزّعامات التاريخية للقوى السياسية والمـدنية -بدعوى التشبيب والقيـادة الجـديدة وما شابه- وبعد تداعي الأحزاب والنقابات والجمعيات الرئيسية للانهيارات المتتالية، لم تنجح السلطات في ملء الفراغ التأطيري كما كانت تحسب، فوجد المغاربة أنفسهم فجأة أمام زعامات ورقية في غمرة سطوة ثقافة الدسائس؛ زعامات عاجزة عن إنتاج أي فكرة مثمرة، عاجزة عن إنتاج أي تصور خلاق، عاجزة عن إنتـاج أي رأي مؤثر، عاجزة عن طرح أي مبادرة قوية في أي اتجاه كيفما كـان، مبلغ همّها أن تشرح للناس معاني الخطب الرّسمية، وأن تخفي إخفاقها الأخلاقي وإفلاسها الإنساني ونهمها السلطوي، خلف مسمى التعليمات السامية.

زعامات سرعان ما أصبحت عالة على الشأن السياسي المغربي برمته، وعالة على المؤسسات العليا للدولة بالذات، وأصبح التخلص منها في المقابل مكلفا للغاية.

عموما، ليس مستغربا أن تخفق تلك الزعامات في التأطير وفي أن تفسح المجال في المقـابل لزعامات جديـدة نابعة من الشـارع بكل تناقضاته وانفعالاته، منفلتة العـقال، وعلى الأرجح قـد تتكاثر في السنوات القليلة القادمة لكي تحدث أزمة غير مسبوقة في النسق السياسي العام، لا سيما إذا استمرّ التدهور السياسي على ما هو عليه.

ما العمل؟ إنه “السؤال اللينيني” الذي يجب أن يطرحه الجميع هذه المرة، بعيدا عن سياسة الدسائس التي قد لا تنجح سوى بالحسابات السياسية قصيرة المدى وضيقة النفَس وإلى حين.

مقصود القول إن حراك الحسيمة يسائل ثقـافة سياسية برمتها. فهل من متعظ؟

بكل تأكيد، طبيعي أن تكـون هنـاك مشاكل، طبيعي أن تكون هناك مطالب، طبيعي أن تكون هناك احتجاجات، وقد تكون عارمة في بعض الأحيان، سواء في شمال المغرب أو جنوبه، شرقه أو غربه، لكن الأمر غير الطبيعي هذه المرّة وبالضبط في السنوات الأخيرة، أن الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات المدنية والحقوقية فقدت بصفة شبه نهائية القدرة على التأطير الاجتماعي، ما أفضى إلى فـراغ مريب وصمت مهيب، بمعنى أننا نوشك على الدخول إلى مرحلة موسومة بالمـوت السريري للسياسة.

سيكون من باب التذاكي أن نعتقد بأن الفراغ والصمت والرهان على النسيان، وكل ذلك، يفيد في الاستقرار.

ههنا لستُ أشك في أن سياسة الذاكرة تعدّ الجانب الأكثر أهمية ضمن ما يسمّى بالحكامة الجيّدة.

إن الورشة الأهم بالنسبة إلى أي سلطة، كيفما كانت، هي القدرة على تدبير الذاكرة الوطنية للمواطنين. والحال أن ذاكرتنا كمغاربة تحتاج إلى نوع من تدبير المصالحة مع نفسها. ههنا يتعلق الأمر بملف كبير، لكنه ملف في الانتظار.

على سبيل المثال، كانت جرائم الحرب التي مارسها الاستعمار الإسباني في شمال المغرب جرّاء استعمال الغازات السامة ضد قوات الأمير عبدالكريم الخطابي، فرصة للسلطات المغربية حتى تدشّن ملاحقة قضائية دولية للمطالبة بالعدالة والتعويض للضحايا.

وكان من شأن تلك المعركة أن تضمد بعض الجراح وتساهم في تعزيز روابط التضامن الوطني على قاعدة تمتين الذاكرة المشتركة للشعب المغربي.

غير أن غريزة الخـوف من الذاكرة قد غلبت في الأخير وانتشرت كالعدوى داخل أروقة الدولة.

بل أصبحت الذاكـرة الوطنيـة في بـرامج التعلـيم والإعلام والنقاش العمومي مجرد ثقـوب سوداء هي أقرب إلى فقد الذاكرة منها إلى الذاكرة. فكان من الطبيعي أن تظهر ذاكـرات دينية أو عرقية بديلة تحاول ملء الفراغ.

المشكلة ليست في “نوايا” الحراك القائم اليوم في الحسيمة وعدد من مناطق شمال المغرب، وهو الحراك الذي سطّر لنفسه مواعيد في أواسط الصيف القادم؛ ذلك أن الحس السليم يدرك بأن المآلات لا تحددها النوايا القبْلية، بل لا يوجد مآل مرسوم ومحدد سلفا، ولا توجد نوايا لا تتغيّر.لكن المشكلة أن ننتظر أن تسوء النوايا في الأخير، ونحن نعلم بأن ذاكرتنا مليئة بالجروح الصامتة، ونعلم بأن التنظيمات المنحدرة من الحركة الوطنية باتت مشلولة وفاقدة للقدرة على التأطير، ونعلم بأن النقاش العمومي غير موجود، اللهم في نطاق محدود.

كاتب مغربي

9