عن حرب دائمة تعلن مصر خوضها نيابة عن العالم

لا يلتزم الإرهاب بجغرافيا بلد أو منطقة، وتتسع دائرته من باكستان إلى أميركا مرورا بالعالم العربي وأغلب بلدان أوروبا، ولكن الحياة هناك لا تؤجل ولا ترتكب باسم الإرهاب خطيئة سياسية أو دستورية.
الثلاثاء 2018/09/11
الإرهاب الإسلامجي حقيقة لا يخفيها رموزه

مساكين أهل المكسيك. بيننا وبينهم ملامح لتاريخ حضاري مشترك ستكشف الأيام تفاصيله، ونعرف كيف انتقلت أسرار الخبرة المعمارية والهندسية المصرية، واستقرت أهراما على الجانب الآخر للأطلسي. كانت مصر مؤثرة، ولا تضطر لاجترار شعار سخيف يسمى “القوة الناعمة”. ثم بددت الشيخوخة تلك القدرة، وعجزت مصر حتى عن إلهام المكسيك بفنون المراثي والولولة؛ قبل انشغال المحروسة بالمنّ على العالم بأنها تنوب عنه في محاربة الإرهاب.

وقد تابعت هذه المفارقة مبكرا، حين التحقت بكلية الإعلام عام 1985، وضرب المكسيك آنذاك زلزال بلغ ضحاياه نحو عشرة آلاف مواطن، وتعاملوا مع الكارثة بذكاء؛ فدعوا السياح للقدوم، وأغروهم بمشاهدة ما لم يروه في بلد آخر، وسوف يدهشهم الوقوف على أطلال الزلزال، بعضها عُولج وعاد إلى سيرته الأولى، والبعض الآخر ظل على حاله يذكّر بكارثة طبيعية، كما تصون دول أخرى آثار الكوارث البشرية وأولها الحروب الانتقامية، تذكيرا بالتضحيات.

وفي سبتمبر عام 2017، ضرب المكسيك زلزال أودى بأرواح نحو مئة مواطن، ولم تلجأ الحكومة إلى إعلان التعبئة العامة، وإلزام الإعلام بصحفه وفضائياته بالاصطفاف للتسول بالكارثة. لا يعني السلوك الرصين استهانة بأرواح هم ثروة البلاد، ففي سبتمبر 2015 قتلت قوات مصرية ثمانية سياح مكسيكيين، بالخطأ في قصف جوي في منطقة الواحات بالصحراء الغربية، وقُتل أيضا أربعة مصريين لم يعتذر عن دمائهم مسؤول؛ فليس للضحايا المصريين وزيرة خارجية تغار على دمائهم مثل كلاوديا رويس ماسيو، تلك التي سارعت إلى عبور الأطلسى، وعقدت مع وزير الخارجية المصري سامح شكري لقاء بقيت منه للتاريخ صورة تلاحق الرجل، وهو خاشع يحتل الحيز الأكبر من إطار الصورة، ويتلقى في صمت نظرة ترشقه بها الوزيرة المكلومة.

وقبل هذا الحادث وبعده لا تكف مصر عن الإلحاح على أنها تحارب الإرهاب نيابة عن العالم. وفي أوقات الحرب لا صوت يعلو فيتهور ويطالب بإصلاح، أو تطبيق الدستور، ففي هذا الصخب لا يسمح إلا بارتكاب خطايا، ومنها تعديل دستوري متوقع لا يخجل جرحى ثورة 25 يناير 2011، وهم بقايا حسني مبارك العائدون بصلف الثورة المضادة، من التصريح به، في إعادة إنتاج لشعار “القائد الضرورة” سيء الذكر والذكرى.

يحلو لمسؤولين مصريين في غير مناسبة الزهو بأن مصر تحارب الإرهاب. ولا ينكر إلا جاهل أو غافل أن الإرهاب الإسلامجي حقيقة لا يخفيها رموزه، ومنهم من يعطي نفسه حق إصدار الأحكام باسم الله وتنفيذها أيضا، وبعضهم يغالي فيدّعي أن صليبا فوق برج كنيسة يعكر اطمئنان قلبه بالإيمان، ويدمر أعصابه، فيزايد على الله بتمني أن تبتلع الأرض غير المسلمين، ويذهب إلى أبعد من هاملت في شعاره “أكون أو لا أكون” ليصبح “نكون أو يكونون”.

ولكن هذه الحقيقة لا تدعو بلدا للاحتشاد والنفير العام، وتأجيل الحياة نفسها، انتظارا للقضاء على إرهاب ربما يحرص البعض على إطالة أمده، فهو مسوّغ مقبول للطغيان، وحين يُقضى عليه ستبدأ المحاسبة، والمطالبة باستحقاقات ما بعد “الحرب”. ولم يكن لدى البريطانيين أعز من وينستون تشرشل حين أسقطوه في الانتخابات، رغم تمكنه من تجنيب البلاد شرور الجحيم النازي. وقد رأى الشعب، الذي لا يتباهى بكلام فارغ عن ديمقراطية يمارسها كحق إنساني مستقر، أن بطل الحرب ليس بالضرورة أهلا لخوض معركة البناء، وكانت هزيمة حزب المحافظين عام 1945.

لا تكف مصر عن الإلحاح على أنها تحارب الإرهاب نيابة عن العالم. وفي أوقات الحرب لا صوت يعلو فيتهور ويطالب بإصلاح، أو تطبيق الدستور، ففي هذا الصخب لا يسمح إلا بارتكاب خطايا

وفي مصر يروج سوق الكلام، واستئناس سيرة الحرب. ومن فرط الحماسة “الوطنية”، ظل رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب، وهو مهندس يخلو تاريخه من انشغال أو اشتغال بالعمل السياسي، يعلن لسنوات أن مصر تحارب الإرهاب. حتى وهو في مدينة الأقصر التي تحظى باهتمام سياحي عالمي ردد هذا الكلام الضار بالسياحة؛ فلا أغلى من الروح التي لن يضحي بها سائح فيكتب وصيته قبل رحلة ذهاب بلا عودة، وأمام الخوف من الموت تهون التضحية برؤية الآثار.

ويبدو أن شيطانا مريدا يلقي هذا الكلام فتنطلق به ألسنتهم وهم لا يتدبرون العواقب، بدليل استمرار الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى اليوم في التأكيد على أن مصر تحارب الإرهاب “دفاعا عن المنطقة والعالم”، وفي سبتمبر 2016 أطلق تصريحا يخيف أي سائح أو مستثمر، بوجود تخطيط لنشر الجيش في عموم مصر خلال ست ساعات. فمن سيخاطر بحياته وأمواله في منطقة موبوءة بالحرب، وأمامه أرض الله واسعة؟

لا يلتزم الإرهاب باسم الأديان الإبراهيمية بجغرافيا بلد أو منطقة، وتتسع دائرته من باكستان إلى أميركا مرورا بالعالم العربي وأغلب بلدان أوروبا، ولكن الحياة هناك لا تؤجل، ولا ترتكب باسم الإرهاب خطيئة سياسية أو دستورية، ولا يعيش المواطن محكوما بقانون الطوارئ. وباسم المعركة مع العدو الصهيوني، تأخر مشروع الدولة، وبناء مؤسسات وطنية وإرساء ممارسة سياسية ديمقراطية واحترام حقوق الإنسان الأساسية.

أما هذا العدو، الذي يستمد بقاءه من خوف يغذي به مواطنيه/ جنوده، فلم يؤجل الديمقراطية، انتظارا لحسم معركته مع “دول الطوق” في حروبه المتصلة منذ نكبة 1948، ولم يطالب بالمدّ العشوائي لحكومة؛ توقعا لرد عسكري عراقي بعد قصف مفاعل تموز الذري في مارس 1981. حمل هؤلاء الإرهابيون، من بلاد دفعت بهم كنفايات إلى أرض فلسطين، تقاليد ديمقراطية يرونها حقا لهم وحدهم ويلحون في خطابهم الإعلامي والسياسي على أنهم دعاة سلام.

الخطاب السياسي المصري لا يحتاج إلى إصلاح بل ثورة. ولأن أفق المستقبل غامض، فلا ملجأ إلا إلى التاريخ، وكان الإمام محمد عبده صديقا لمصطفى رياض الذي تولى عام 1879 رئاسة الوزراء، واحتفظ لنفسه بوزارة الداخلية التي تصدر جريدة “الوقائع المصرية”، واقترح على الشيخ الشاب الانضمام إلى هيئة تحرير الجريدة، ثم أصبح رئيسا لتحريرها.

وفي مذكرات الشيخ محمد عبده يعدد مناقب رياض، مثل توزيع مياه النيل بالقسط، وإلغاء الضرائب الصغيرة، وإبطال الضرب بالكرباج في تحصيل الأموال من الفلاحين، حتى كان الناس “يهزأون بتلك الرحمة”. ولم يغفل تسجيل المآخذ على سياسته، حيث “اهتم بتقرير الأمن… كأن البلاد في حرب دائمة، وأعطى المديرين في ذلك سلطة أساءوا في استعمالها فأخذوا بالظن، ونالوا من كثير بالشبه، فأزعج بذلك نفوس الباقين فخافوا أن يصيبهم ما أصاب غيرهم بغير حق ولا عدل… وأخذ الناس يقولون لا صلاح في الاستبداد بالرأي وإن خلصت النيات، فرأيٌ واحد عرضة للخطأ وإن تحققت نزاهته من الغرض”. ببصيرته رسم الأستاذ الإمام ملامح المشهد المصري الحالي.

9