عن حماس وانتصاراتها…

مع التقدير لاستبسال المقاتلين الذين تصدوا للدورية الإسرائيلية، في تلك المعركة الصغيرة وأفشلوا مهمتها، إلا أن اعتبار ذلك من قبل حماس نصرا لها على إسرائيل يحمل مبالغات مضرة وخاطئة، وينم عن إدراكات سياسية وعسكرية قاصرة وخطيرة.
الاثنين 2018/11/19
ليبرمان يستقيل لكسب تعاطف المجتمع الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة

انتهت تلك الجولة من الاحتكاك الساخن بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حركة حماس في غزة، التي جرت قبل أسبوع، بسرعة كبيرة ولافتة، بوساطة مصرية وبمداخلات دولية وإقليمية. وتفسير ذلك أنها جاءت من خارج السياق السياسي، المتعلق بإعداد لهدنة أو تهدئة، طويلة وشاملة، تعد لها أطراف دولية وإقليمية وعربية، وتتضمن تخفيف الحصار عن غزة، وتسهيل عيش الفلسطينيين فيها، وإنعاش الوضع الاقتصادي مع مشاريع واستثمارات، وقد شهدنا بوادرها بجلب أموال قطرية، بمعرفة إسرائيلية، وتوزيعها بشكل علني أمام شاشات قنوات فضائية.

من الواضح أن تلك الاشتباكات جاءت أيضاً، من خارج رغبات الطرفين المعنيين، إذ لا إسرائيل تستهدف إنهاء أو ضعضعة، حكم حماس في غزة، ولا حركة حماس تريد الدخول في حرب جديدة رابعة مدمرة، مع إسرائيل، على غرار الحروب الثلاث السابقة (2008، 2012، 2014)، خاصة أن الظروف الدولية والإقليمية الراهنة تذهب للتشدد مع حماس وعزلها أكثر من ذي قبل.

بيد أن ما لفت الانتباه، أيضاً، هذه المرة، قيام حركة حماس بالاحتفاء بما اعتبرته بمثابة انتصار لها في غزة على الجيش الإسرائيلي، لمجرد فشل عملية، واعتبارها أن استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان من منصبه، هي دلالة على ذلك.

ومع التقدير لاستبسال المقاتلين الذين تصدوا للدورية الإسرائيلية، في تلك المعركة الصغيرة والمحدودة وأفشلوا مهمتها، إلا أن اعتبار ذلك، من قبل حماس نصرا لها على إسرائيل يحمل مبالغات مضرة وخاطئة، وينمّ عن إدراكات سياسية وعسكرية قاصرة وخطيرة ومتسرّعة، ويمكن أن تودي إلى مهالك. إذ شتّان بين قدرات إسرائيل وقدرات حماس وكل الفصائل من الناحية العسكرية، بمعنى أنه لا مجال للمقارنة لا في العدة ولا في العتاد ولا في طريقة إدارة الحرب هذا أولا.

ثانياً إن اعتبار حماس لاستقالة ليبرمان بمثابة نصر لها، ينمّ أيضا عن إدراك ساذج ومتسرّع وخاطئ لطريقة عمل النظام السياسي الإسرائيلي، إذ إن ليبرمان استقال بسبب عدم انصياع الجيش لإرادته، أو لأنه كان يريد التصعيد أكثر في غزة، في حين أن المستويين السياسي والعسكري كانا يرغبان بالضغط على حماس فقط وليس إضعافها. إذن متى سيفهم القادة الفلسطينيون بأن استقالة شخصية إسرائيلية من منصبها، بسبب فشل في مهمة ما، هي أحد أسباب قوة إسرائيل وقوة نظامها السياسي، وقوة المساءلة والمحاسبة فيها، وليس العكس؟

ثالثا، فهمت حماس استقالة ليبرمان على عكس مغزاها، إذ استقال توخيا لاستدرار تعاطف المجتمع الإسرائيلي معه لزيادة شعبيته، والفوز في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بعد أن تراجعت حظوظه أو حظوظ حزبه (إسرائيل بيتنا) بالنجاح.

رابعا إن حركة حماس من وراء ذلك إنما تستهدف شحن المجتمع الفلسطيني، لا سيما في غزة، والتخفيف من الضغط الشعبي المفروض عليها، بإشاعة مثل هذه الأجواء، وهي طريقة عمل سلطة على نحو ما اعتادت بعض الأنظمة العربية، خاصة إثر هزيمة يونيو 1967، إذ اعتبرت أن مجرد بقائها هو انتصار لها على إسرائيل.

ففي الواقع فرغم تضحيات وبطولات ثلاث حروب مدمرة على غزة، فإن القطاع مازال محاصرا منذ 11 عاما، وثمة مليوني فلسطيني يعانون الأمرين جراء ذلك، بل إن حماس باتت أقرب من ذي قبل، أي قبل أن تكون في السلطة، إلى التهدئة، وإلى حل الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع واعتماد المقاومة الشعبية، على نحو ما شهدنا، أي أنها أضحت تبدي قبولا بأشياء كثيرة كانت ترفضها في السابق، للحفاظ على مكانتها كسلطة في غزة.

خامسا، من دون التقليل من أهمية تحقيق أي إنجاز عسكري على إسرائيل، يجدر بنا أن ندرك أن إسرائيل تستثمر في الانقسام الفلسطيني، وفي التنازع على السلطة بين فتح وحماس، ما يجعلها أكثر قدرة على التلاعب بمصير السلطتين، كل على حدة، وفرض إملاءاتها عليهما، بما في ذلك تكريس الانقسام الحاصل، وتحويل كل من الحركتين إلى سلطة في الإقليم الذي تسيطر عليه، لكنها سلطة تحت هيمنة إسرائيل، السياسية والأمنية والاقتصادية، وضمن ذلك تأتي فكرة تكريس هذا الفصل عبر منح فرصة لتطويع حماس، من خلال تمكينها من السلطة في غزة.

ليس الغرض من كل ما تقدم التقليل من شأن المقاومة، لكن المبالغة أيضاً، خاطئة ومضرة ولا تفيد إلا في المزايدات والمنافسات بين الفصائل، إذ لا يجوز تحميل قطاع غزة لوحده المحاصر منذ 11 عاما، والذي يعاني فيه مليونا فلسطيني الأمرين، في منطقة فقيرة الموارد، ومعزولة عن العالم، وتشكل 1.4 بالمئة من مساحة فلسطين، عبء تحرير فلسطين، أو دحر الاحتلال من الضفة، أو مقاومة إسرائيل.

قد يجدر لفت الانتباه إلى أن أعداد القتلى الإسرائيليين في الضفة أكبر من ذلك بكثير، لكن إسرائيل مصرة على البقاء في الضفة، في حين انسحبت من غزة عام 2005، لاعتباراتها الخاصة، أي للتخلص من الخطر الديموغرافي، ولأن الضفة غير غزة، فهي في العقيدة الصهيونية “أرض الميعاد” أو “يهودا والسامرة”، وهي خاصرة إسرائيل ومجالها الحيوي.

 وبحسب الإحصائيات فإن عدد الإسرائيليين الذين قتلوا في القطاع منذ احتلاله إلى وقت الانسحاب منه (1967 – 2005)، أي طوال 38 عاما، بلغ 230 إسرائيليا (حسب صحيفة هآرتس، في عدد 23 أغسطس 2005)، بمعدل ستة أشخاص في العام الواحد، قتل منهم بين (1967 – 1987)، أي في عشرين عاما، 38 إسرائيليا (حوالي شخصين في العام)، وإبان الانتفاضة الأولى قتل 29 إسرائيليا، في حين قتل 39 إسرائيليا منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى الانتفاضة الثانية (1993 – 2000)، وفي الانتفاضة الثانية قتل 124 إسرائيليا من أصل 1060 إسرائيليا قتلوا في الضفة وفي مناطق 1948.

في الغضون من المفيد أن ندرك أن إسرائيل المليئة بالتناقضات، لا تتفوق علينا فقط بقوتها العسكرية، وبدعم الولايات المتحدة لها، كما يروج البعض لتغطية القصور والعجز العربيين، وإنما هي تتفوق علينا أساسا بسبب طريقة إدارتها لأوضاعها، ونظامها الديمقراطي (نسبة لمواطنيها اليهود الإسرائيليين)، وبطريقة تنميتها لمواردها البشرية، ويكفي أن نعلم أن ثمة 12 رئيس حكومة، وثمة 20 دورة انتخابات للكنيست، وكل ذلك في فترة قدرها 70 عاما، أي بمعدل ستة أعوام لرئيس الحكومة، وأقل من أربعة أعوام للكنيست، وهذا هو الفارق الأهم بيننا وبينهم، ناهيك عن احتفاءاتنا بـ“انتصارات” لا معنى حقيقيا أو عمليا لها سيما في أوضاع كارثية نعيشها منذ عقود.

8