عن خطاب الهنتنغتونية والداعشية

الاثنين 2015/01/19

أن تُستدعى نظرية صموئيل هنتنغتون في صدام الحضارات للاستعانة بها في فهم حادثة شارلي إيبدو، ولمحاولة فهم خطاب التنظيمات الجهادية، هو تكريس لها لا فهما للواقع بتعقيداته حيث العالم غارق بالمشكلات الاقتصادية والسياسية والهوياتية، فليس هناك ما هو أسهل من العوم بالثقافي على الطريقة الهنتنغتونية، فهذه سمة عقل تبسيطي، يعييه البحث والتدقيق لفهم ظاهرة الخطاب وعلاقته بمنتجيه.

هنا تطغى عنصرية هنتنغتون المبتذلة على عموم العقل المستخدم لنظريته، حين يقر أن البنية الثقافية الإسلامية مفطورة على العنف والإرهاب، وكيف لا ومعظم العنف الراهن الذي يضرب العالم إسلامي. أحيانا يذهب القائلون بهذا، إلى القمة في الهنتنغتونية حين يتحدثون عن شعوب إسلامية متخلفة، أعياها الجري على اوتوستراد الحضارة عبثا، فقررت تدمير حداثة أوروبا وإلحاقها بها، ففي ذلك أيضا دعوة صريحة لاتحاد غربي بيمينه ويساره لإنقاذ نفسه من الوحش القادم من الشرق، وهو ما يهدف إليه الفكر الهنتنغتوني.

لسنا بحاجة للخوض في تفنيد خطاب متهافت بطبعه، خصوصا إذا ما اطلعنا على تاريخ الوحشية العالمية المدمرة، ودققنا في خلفياته الثقافية، سنقع في حيرة تحديد أي ثقافة “قدسية” تلك مثلا، التي شرعت للجيش الفرنسي ممارسة الذبح في حق أعداد مهولة من المغاربيين، وأي ثقافة تلك التي دفعت أهالي باريس لاستساغة تداول طوابع بريدية، تحتوي صورا لتلال من الرؤوس المقطوعة بناها جيشهم الأغر. سيما أن ذلك لم يحدث في العصور الوسطى الدينية، إنما في أوج إشعاع قيم الجمهورية الخامسة في ستينات القرن الماضي، ومدون في الكثير من الوثائق.

حتما أسئلة صادمة كهذه تستصعب تلك العقول الإجابة عنها، فهي تمس عقل “متنور” بني على حقوق الإنسان وقيم الحداثة، ومختلف جوهريا عن “عقل مشرقي” سمته الثقافية العنف والإجرام.

وضع ظاهرة الإرهاب الذي يضرب أوروبا في بوتقة حقد ثقافي حضاري مزعوم على الغرب، وإعطائه خلفيات نظرية مستقاة من موضوعة هنتنغتون، ينطوي على الكثير من الجهل، فضلا عن أهداف تضليلية ربما، فالتضليل الخطابي أداةً أساسية من أدوات الصراع الذي يستعر على امتداد هذه البسيطة في كل زمان ومكان، وفي سياقه، أي الصراع وكذلك السلطة، يمكن أن نفهم الخطاب الديني الإجرامي المتطرف لتنظيمات الإسلام الجهادي، وبالخانة ذاتها أيضا تتواجد أطروحات هنتنغتون، ومجمل الخطاب الاستشراقي العنصري واليميني الغربي الذي أسس لها.

طالما كان الخطاب الثقافي والسياسي بكافة أشكاله تعبيرا فوقيا ذا وظيفة تبريرية وتعبوية، لدول ومؤسسات تسعى لفرض هيمنتها، وتعزيز سلطتها أو تقوية مواقعها في صراع ما، وحسب تعبير ميشيل فوكو: “فإن سلطة الخطاب هي سلطة المؤسسة المنتجة له”، فنحن هنا أمام خطاب مؤسسيّ، يهدف أيضا لفرض سلطة التنظيمات الجهادية، أو تعزيزها بقول أصح، ولتلك التنظيمات تاريخ احترافي في تطويع اللغة الدينية والنصوص المقدسة، لإنتاج خطاب ثقافي يخدم تثبيت نفوذها، وربما تفوقت على نظيراتها من سلطات إجرامية “حداثية” في اختيارها لما هو “زفرة المقهورين” بتعبير ماركس، أي الدين الذي هو هوية، يرددون باستمرار أنها مستهدفة ومهددة من قبل الجميع، لذلك لابد من الاحتشاد للدفاع عنها جميعا، هنا يظهر الخطاب الأيديولوجي للجهاديات كنسخة إسلامية من الخطاب “الهنتنغتوني”، لكن معكوسة ضد الغرب والجميع الذي يريد النيل من الإسلام، ولو كان من ضمن هذا الجميع مسلمون من نفس البلد أو ربما من نفس العشيرة.

هنا يتموضع تنظيم داعش وأخواته، في إطار المؤسسات السلطوية المكتملة، والمنتجة لكل أدوات هيمنتها بما فيها الأدوات الخطابية والثقافية، فنحن أمام سلطة بكامل هيكلها الإداري والمالي والعسكري والإعلامي، ظهرت في خضم ظروف الاستبداد ومحاربته في سوريا والعراق، ووجدت في تلك الظروف نوعا من الحاضنة شعبية من قبل فئات مهمشة، لم تجد أمامها سوى الالتحاق بتنظيمات التطرف، لضرورات تتعلق برد تطرف وإرهاب مقابل، تمارسه سلطات “نظامية” عليها على مدى عقود من الزمن. لتقع ضحية سلطة دينية جديدة تمثلها تلك التنظيمات ولا تقل عن سابقاتها إجراما.

سلطة تنتج خطابها الفاشي، وتمارسه على رعاياها بالدرجة الأولى، وعلى ما تفترض أنه العدو الخارجي الذي يسعى للنيل من الإسلام “عنوان سلطتهم”، والتي حسب خطابها التضليلي، وجدت من أجل الدفاع عنه وحمايته، هنا تتماهى النبرة الخطابية مع النبرة “الهنتنغتونية” الرامية للحشد المجتمعي الهوياتي، للحفاظ على السلطة التي يموهها الأخير بعنوان “قيم المجتمع وهويته”.

خطاب الكراهية والحقد والقتل لا يخص إلا المؤسسة أو الحكومة أو التنظيم الذي ينتجه، في سياق تثبيت سلطته وشن حروبه، ولا يمكن سحبه على بنية اجتماعية وشعوب وثقافات، لكن كم نحتاج من الوقت لنعرف إلى أي حد ستستطيع الجهاديات الاتكاء على الخطاب العنيف في ممارسة السلطة؟ يمكن القول إن دولا ومؤسسات عريقة قد سقطت، والظرف الحركي العارم الذي يمر به العالم يجعل فرص الفاشيات في البقاء أقل.


كاتب عراقي

9