عن داعش في لحظة الاحتضار

الأربعاء 2017/06/21

بينما أوشكت على الانتهاء، عملية الإجهاز التام على داعش في الموصل، وأصبح الإجهاز على “التنظيم” كله، من حيث كونه يتواجد في مواضع جغرافية معلومة بين العراق وسوريا؛ مسألة وقت وجيز؛ نعود فنتأمل غرابة هذه التجربة المجنونة شديدة الغموض والغرابة والتشوّه، والخيانة الفادحة بالمحصلة.

فلم يكن بمقدور أحد، كائنا من كان، أن يعرف أو أن يختبر، في ذروة القتال الدامي، قابلية هذا الطوطم غريب الأطوار لأن يتلقى اتصالا أو أن ينشئ خطا لطلب الإسعاف، أو أن يتقبل فكرة أن هناك محايدين أو صليبا أو هلالا أحمرين، أو أن يكون طرفا في محادثة قصيرة مع وسيط حميد. فكل ما كان يتسرب من أنباء ذلك الوحش، أو ما يُسمع من رسائله الطوعية إلى الدنيا وإلى الناس عبر شبكة الإنترنت، يؤكد على أن داعش ليس له سوى أحد خيارين: إما قاتلا وإما مقتولا. فالقتل والموت، بغير انقطاع، هما، عنده، ضرورة الحياة أو شهيقها وزفيرها. ولا ندري كيف اختار لنفسه اسم “دولة” علما وأن طبيعة الدولة تجعلها عضوا في منظومة جغرافية سياسية، بينما هؤلاء لا خيط يربطهم بأي منظومة!

في عالمه المغلق، اختار داعش ابتداء، التمرد على جمهرة فقهاء الإسلام عبر تاريخه، وتعمد إعادة الاعتبار لنفر قليل من فقهاء القرون الوسطى الذين انتزعوا بعض الآيات من سياقها الكُلي، على الأغلب من سورتي “التوبة” و”محمد”، وحملوا شروحاتها الخاطئة والمنقوصة، مجرّدة من مناسباتها التاريخية ومن أسباب نزولها، واعتزلوا الكهف بالمعنييْن العقلي والمكاني، فأداروا ظهورهم للكثير من الآيات في سياق آي الذكر الحكيم على النحو النقيض لسياق النبوّة الكريمة وروح القرآن الذي يفترض السلام قاعدة للمقاصد الإنسانية ولا يسمح بالحروب إلا دفاعا عن النفس والأهل والوطن، وغير ذلك مما لا يُعد عدوانا وإنما رد لعدوان المعتدي.

قبل أن يشنّ هؤلاء الحرب على الدنيا ومن فيها، جعلوا مجافاة الفقه الصحيح والمستنير الذي عليه إجماع جمهرة العلماء؛ أحد مقاصد بغضائهم وصّموا آذانهم عن آيات عدم الاعتداء وتجريم انتهاك الحرمات وإيذاء أهل الأديان الأخرى وقتل الأسير والتمثيل بالجثث، وسبي الحرائر وحرق الزرع والنسل وانتهاك الطفولة، ولكل ذلك هناك آيات ومناسبات للنهي عنه. فالحرب أصلا لها في الإسلام سببها الطبيعي إذ قال تعالى في سورة البقرة “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”.

أصر أولئك الهالكون على أن شنّ الحرب على غير المسلمين، وبلا هوادة، فرضٌ على كل مسلم، بصرف النظر على النتائج وكوارثها. ثم تردى منطقهم أكثر ليتحول إلى وجهة متجنية فَجّة في شن الحرب على المسلمين أنفسهم وعلى من يجاورونهم من مؤمني الأديان والمذاهب الأخرى.

وثمة دلائل على أن أطرافا سلطوية طائفية، فاسدة ومستبدة، وباتت مُفتضحة؛ وفرت لهم ديناميات الانتشار والتموضع، وأتاحت لهم إطلاق لعبة الموت، وراهنت على وحشيتهم وعلى جهلهم حتى بأخلاق الحرب. وتلك الأطراف كانت تتوهم أن بمقدورها احتواء اللاعبين ووقف اللعبة وقتما تريد، مثلما توهم الأميركيون قبلا، عندما وفروا لتنظيم القاعدة كل أسباب الانتشار والتموضع، ثم ارتد السحر على الساحر.

هذه تجربة بالغة الغرابة والغموض، وأجدر بفريق من كبار علماء الاجتماع في العالم أن يتفرغ لسنوات لدراسة ما يمكن أن نسمّيه الظاهرة الداعشية لتحليلها بأدوات البحث السوسيولوجي. فالمسألة مثيرة للاندهاش فعلا. وبالطبع يمكن أن يتحسّس العالم كله الحاجة إلى دراسة الظاهرة بمعايير التخصصات الأمنية والسياسية والفقهية وبأدوات الكشف الطبي النفسي والعصبي، لكي يُفسّر للأمم والدول كيف استطاع هذا الطوطم البشع اجتذاب مريدين من بلدان وثقافات وأديان عدة، من بينها أعداد لا بأس بها من فتيات شعوب العالم الأول في التصنيف الاجتماعي والاقتصادي والحضاري. فقد حدث أن فتيات من الغرب اخترن الانطواء والذهاب بأرجلهن إلى الخطر، وأصبحن في حضرة أردأ أنماط الفقه الديني لشرعنة القتل، والمستدعى من مراحل البؤس والجهالة في القرون الوسطى.

ومما يثير الاستغراب والاستدلال على خيانة المهمّة التي اختارها داعش لنفسه، ويستدعي طرح التساؤل الحائر عن هويات أصحاب العقول المدبرة في الخلفيات، أن هذا “التنظيم” تغاضى تماما عن كون العقيدة الإسلامية الناصعة، قد ركزت مرارا على أن الله سبحانه أمر في العديد من المواضع القرآنية بألا يُفرض الدين على الناس فرضا.

بل إن بعض الآيات تنم عن استشعار القرآن للحاجة إلى إقناع الرسول محمد عليه السلام نفسه، فأعطاه ربه الحُجة في العديد من المرات، إذ قال عز وجل في سورة هود “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”.

وفي سورة يوسف “وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين”، وفي سورة القَصَص “إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء”.

ثم يكرر سبحانه نداءه لنبيّه في سورة يونس عندما أظهر الرسول حرصا زائدا على إسلام المشركين من أهل مكة، فيخاطبه مذكرا إياه بصيغة الاستفهام الإنكاري، بضرورة عدم الإكراه “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين”.

غير أن أولئك الخونة الدواعش، الذين ألحقوا الكارثة بالبلاد والعباد، تخيّلوا أن ما لم يتح للنبي عليه السلام ينبغي أن يُتاح لهم أو إنهم فوق أوامر رب العالمين، وهذا من بين الأسباب التي تدعو إلى تقصي خلفيات الظاهرة ومعرفة حقائق منشئها ودوافعها وتفصيلات أحشائها ومقاصدها منذ البداية، على الرغم من كون الخيانة مؤكدة، وتشمل كل أشباه داعش بكل الأسماء ومن كل المذاهب، في سيناء المصرية، وفي العراق وسوريا واليمن وليبيا والجزائر وفي ساحات الشرق والغرب.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

9