عن داعش وجبهة النصرة

الاثنين 2016/08/15

لا يتأتّى الموقف الرافض لجماعات مثل “داعش” أو “النصرة”، من أيديولوجيتها أو مرجعيتها الإسلامية، فهذا شأن يخصّ حرية المعتقد، وحرية الرأي، وإنما يتأتّى من اعتبارها الدين وسيلة للتوظيف في السلطة والهيمنة على المجتمع، وكغطاء للتبرير والمواربة والتلاعب. كما يتأتى من تكفير هذه الجماعات لمجتمعاتها، وحتى تكفير الجماعات الإسلامية الأخرى، التي لا تتساوق معها، وفرض الوصاية على الدين، واحتكار تمثيل الإسلام والمسلمين، وادعاء الحاكمية أو الحكم باسم الله، فضلا عن مرجعية الثانية لتنظيم”القاعدة”، في حين تبدو أجندة الأولى منفصمة عن الواقع وعن العالم.

وبالتأكيد فإن هذا يتأتّى من توسّل هذه الجماعات للعمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين أساسا، ومن اعتبارها العنف والإرهاب الوسيلة الأساسية لفرض ذاتها في المجتمع، علما أن الضحية الأكبر لهذه الجماعات هي البيئات التي تعتبر نفسها وصيّة عليها، كما اتضح في المثاليْن العراقي والسوري، حيث أن الضحية الأولى لهذه الجماعات هي البيئات الشعبية السورية الخارجة عن سيطرة النظام، التي استهدفت أكثر بكثير مما استهدفت البيئات الأخرى.

واضح أن من الصعب التمييز بين “داعش” و”جبهة النصرة”، رغم أنهما تقاتلا وكفّر كل منهما الآخر، إذ أن هذه الجماعات تنهل من ذات المصادر وتتبنى ذات الادعاءات، ما يفيد بأن المسألة ليست أيديولوجية محضة، وأن الأفكار هي مجرد وسيلة لتوسل الشرعية، وتبرير السلطة والتسلط.

في هذا الإطار ثمة ما يفيد بأن تيارات الإسلام السياسي المعتدل، خسرت كثيرا بظهور “داعش” و”النصرة”، من شرعيتها وانتشارها، هذا ينطبق بشكل خاص على جماعة الإخوان المسلمين، خاصة في سوريا. المشكلة أن هذه التيارات، وضمنها “الإخوان”، تصرّفت كأن “داعش” و”النصرة” يصبّان عندها ويقومان بجزء من عملها، وقد بيّنت التجربة، وبثمن باهظ، أن هذا خطأ خطير، إذ أن صعود هذين التنظيمين أضعف صدقية هذه التيارات، لا سيما أنها لم تميز نفسها عنهما، ولم تقم بتفنيد منطلقاتهما “الفقهية” ونزع الشرعية الدينية عنهما.

هكذا فإن تيار الإسلام السياسي ليس فقط لم يكسب وإنما خسر من شعبيته أيضا، بل إن ظهور “داعش” و”النصرة”، ونمط ممارساتهما في سوريا والعراق، أضعفا التيارات الإسلامية المعتدلة. وكان حريّا بالإخوان في سوريا إدراك ذلك، والتمسك بوثيقة “العهد والميثاق” (آذار 2012)، التي أكدوا فيها تبنيهم هدف قيام دولة مدنية ديمقراطية يتساوى فيها المواطنون في سوريا، بدل نسيانها ومجاملة أطروحات النصرة أو داعش مباشرة أو مداورة.

اعتقاد البعض بأن جبهة النصرة أو داعش أو أخواتها هي بمثابة نبت طبيعي للبيئات الشعبية “السنّية”، هو اعتقاد غير صحيح ويصبّ في طاحونة الدعاية التي يروّجها النظام، إذ أن نمط التديّن لدى المتدينين السوريين، يتسم بالمرونة والاعتدال وقبول الآخر، عبر التاريخ، وكلنا يعلم أن هذه التيارات لم يكن لها وجود في مدن سوريا وأريافها، وحتى لو كان لها بعض الوجود فهو ضئيل ومعزول وليست له حاضنة شعبية.

والمعنى أن بروز هذه الجماعات تم بسبب عوامل أخرى خارجية، أولا، بسبب اعتماد النظام الحل الأمني الوحشي، وفتح البلد على الميليشيات المذهبية والحرس الثوري الإيراني. وثانيا، بسبب تلاعبات بعض الدول بالثورة السورية، وفرضها لاعبين من نوع أيديولوجي معين. وثالثا، بسبب تهميش الدول الداعمة لجماعات “الجيش الحر” واعتمادها على هذه الجماعات.

على أي حال فإن ضرر هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة لم يقتصر على تيارات الإسلام السياسي المعتدل، وإنما أصاب مجمل الثورة السورية، إذ أن صعود هذه الجماعات وتصدّرها المشهد أديا إلى إضعاف صدقية ثورة السوريين، إزاء شعبها وإزاء العالم، فضلا عن أنها في هيمنتها على بعض المناطق “المحررة” لم تثبت كنموذج أو كبديل عن النظام، فضلا عن هيمنتها بالإكراه على مجتمع السوريين، ومحاولتها فرض نمط عيش معين عليهم. وتأتي ضمن ذلك منازعتها “الجيش الحر” واستهداف مجموعاته، ومحاولتها حرف الثورة عن مسارها لصالح رؤية ضيّقة تتغطى بالدين وبالطائفية.

ما يصحّ على داعش والنصرة يصحّ على ميليشيات دينية وطائفية ومذهبية أخرى مثل حزب الله و"فاطميين" و"نجباء" و"زينبيون" وقوات بدر وعصائب الحق والحرس الثوري الإيراني، إذ لا يستقيم الحديث عن “داعش” و”النصرة” من دون هؤلاء.

كاتب سياسي فلسطيني

9