عن داعش و"مؤامرة" استهداف الوطنية السورية

الأربعاء 2013/12/18

منذ ظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” بدا واضحاً أن هذا التنظيم السلفي الجهادي المرتبط بالقاعدة تنظيمياً وفكرياً، مرفوض لدى قطاعات واسعةٍ من مناوئي نظام الأسد، وإذا كان ثمة موقف غير مفهوم لدى طيف واسع من المعارضة السورية يتمثل في عدم إدانة تنظيم الدولة الإسلامية، أو عدم اعتباره تنظيماً خارج الثورة السورية على الأقل، فإن مناوئي هذا التنظيم لا يكفون في المقلب الآخر عن مهاجمته بوصفه مؤامرة على الثورة.

يصرُّ عدد من الناشطين والمعارضين السوريين على القول إن “داعش” مجرد صنيعة لأجهزة استخباراتٍ أجنبية وعربيةٍ من بينها مخابرات النظام السوري نفسه، يقول هؤلاء إن هذا التنظيم يستهدف الثورة السورية على الأرض، ويستهدف رموزها وشعاراتها وحتى قيادتها العسكرية، وهو يفعل ذلك بشكل ممنهج وموجه من قبل مخابرات أجنبية أو محلية لأنه يستهدف بالضبط روح الوطنية السورية ورموزها، وهذا مما يدعو للريبة حقاً.

ميدانياً يمكن القول إن عناصر “داعش” يقومون فعلاً بتصفية أو اعتقال الناشطين المدنيين، وأيضاً بمحاولة تأديب واعتقال وحتى تصفية السوريين، أعني هنا من يتصرفون كسوريين حقاً، ولنا هنا أن نتذكر إعدام الرجل الذي كان يشرب الأركيلة أمام باب بيته في الرقة، وأيضاً إعدام ذاك السوري الذي يتعرض للذات الإلهية غير قاصد الكفر بقدر ما هو قاصد التعبير عن نزقه وغضبه. واختطف التنظيم أيضاً رجل الدين المسيحي “باولو داليليو” المناصر للثورة السورية، وقتل عدداً من عناصر وقادة الكتائب العسكرية السورية، على وجه الخصوص الكتائب محلية الأسماء ومحلية الصبغة، وأخيراً اعتقل قائد لواء درع هنانو في إدلب، وقائد المجلس العسكري في حماة، وربما يتبين لاحقاً أنه يقف وراء اختطاف رزان زيتونة وسميرة خليل ومن معهما.

تبدو “داعش” معنيةً بتصفية كل ما هو سوري، أو لنكن أكثر دقة، كل ما هو محلي تماماً، هذا بالضبط ما يصرُّ كثيرون على تحليله بوصفه مؤامرة منسوجة في الخفاء، إلا أن الحقيقة أنه ليس ثمة ما هو خفي أو عصي على الفهم في المسألة.

“داعش” وهي سليلة الفكر السلفي الأممي وذروة تطرفه لا تعترف بأية حدود تفصل بين المسلمين، بل إنها لا تعترف بأية حدود على وجه هذه الأرض، وإنما تسعى جهاراً نهاراً لبناء الدولة الإسلامية في العراق والشام، لتنطلق منها لضم بقية البلاد الإسلامية إلى الخلافة ثم مواصلة فتح العالم، هذا فكر “داعش” ونهجها، هذا فكر القاعدة الذي خرج التنظيم من رحمه.

ليس النظام السوري عدو “داعش” الوحيد ولا الرئيسي حتى، بل إن كل ما هو سوري يصلح عدواً وجودياً لهذا التنظيم، هذا منهجه وفكره ومشروعه الأيديولوجي، وإذا كان ثمة نهج جديد لدى السلفية الجهادية يأخذ في التبلور حتى داخل تنظيم القاعدة معترفاً بالخصوصيات المحلية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام يمثل الجناح المتطرف الرافض لهذا النهج الوليد. كان “أبو بكر البغدادي” زعيم “داعش” قد قال: “لن يتوقَف هذا الزحف حَتى دق آخر مسمار في نعش مؤامرة سايكس وبيكو”، ذلك في سياق رده على ما كان “أيمن الظواهري” قد طلبه من انسحاب الدولة الإسلامية في العراق والشام من سوريا، حاصراً الولاية المكانية لها في العراق، تاركاً الولايــــة المكــــانية لجبهة النصرة في سوريا.

ليست المعركة مع النظام السوري بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام سوى واحدة من المعارك الصغيرة الهامشية إزاء المعركة الكبرى ضد كل من وما يضع حدوداً- أي حدود- بين المسلمين، وعلى ذلك فإنه ليس ثمة ما هو خفي في استهدافه لكل ما هو وطني سوري في هذه البلاد، هذا مشروعه المعلن في وضح النهار أصلاً.

ربما يكون صحيحاً القول بأن ثمة تواطؤاً دولياً يتمثل في غض الطرف عن تسرب مقاتلي التنظيم إلى سوريا لتبرير الموقف الدولي المائع من الأزمة في سوريا، وربما يكون صحيحاً أن أجهزة المخابرات السورية سهّلت دخول هؤلاء إلى سوريا، لأن هذا الفكر يؤمّن “شرعية” لحرب النظام السوري على الثائرين عليه، وأصلاً ليست اليد الاستخباراتية الغربية بعيدةً عن تأسيس تنظيم القاعدة، واستخدامه أداة لتبرير سياسات دولية، إلا أن مقاربة المسألة من هذه الزاوية فقط تجعل معالجتها مستحيلة، ذلك أن لهذا الفكر أسسه ومبرراته التاريخية والاجتماعية والسياسية.

إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عدو واضح لكل مشروع وطني أياً كانت حدوده وأسسه في هذه البلاد، ويجد مبررات وجوده على الأرض السورية في هشاشة السردية الوطنية، أليست “سايكس بيكو” مؤامرة حقاً من وجهة نظر الأغلبية الساحقة من التيارات السياسية والأيديولوجية السورية، المشكلة إذن لا تقف عن حدود “داعش” عندما نتحدث عن المؤامرات، إذ يبدو الوطن السوري برمته صنيعة مؤامرة أصلاً.


كاتب سوري

9