عن دور المثقفين مرة أخرى

الاثنين 2014/06/23

يُفضل كثير من المثقّفين الانحياز إلى المعارك ذات الربح السّريع والمضمون سلفا ومسبقا. دوافعهم قد لا تتعلق دائما بالمنافع المادية كما يُظنّ؛ بل ثمّة أحيانا مخاوف وجودية. وعلى وجه الملاحظة، فإنّ أخشى ما يخشاه جل المثقفين هو أن يتجاهلهم تاريخ لا يكتبه سوى المنتصرين. وإلاّ، فمن يجرؤ على كتابة شهادة حق على جدار قد ينهار تحت قصف المنتصرين؟ من يجرؤ على كتابة كلمة صدق على أوراق قد يحرقها المنتصرون؟!

إنهم المثقفون المنحازون للقضايا العادلة- حتى وإن كانت خاسرة أو تبدو كذلك- هم أصحاب الوعي الشقي، إنهم قليلون بالفعل، إنّهم نادرون أحيانا، لكنهم المثقفون الأحرار. داخل الأوساط الثقافية الأميركية اليوم، وحيث تبدو القضية الفلسطينية كما لو أنّها قضية خاسرة بكل المقاييس، قليل من المثقفين الأميركيين من يختار معسكر “العدالة الصعبة”، من بينهم الفيلسوف التقدمي نعوم تشومسكي. هؤلاء هم المثقفون الأحرار.

داخل الأوساط الثقافية الفرنسية اليوم، حيث تبدو هموم الضواحي ومسألة الجزائر وجزر ما وراء البحار قضايا خاسرة، قليل من المثقفين من يجرؤ على التحلي بالموضوعية المكلفة والعسيرة. من بينهم الفيلسوف التقدمي آلان غريش. هؤلاء هم المثقفون الأحرار.

في إيران وحيث يبدو الإصلاح الديني والثورة على الجمود العقائدي كأنهما معركة خاسرة سلفا، فإن القليل من المثقفين من يجرؤ على محاولة تقويض أسس الدولية الدينية. من بينهم المصلح الديني التقدمي عبدالكريم سروش. هؤلاء هم المثقفون الأحرار.

في مختلف الأوساط الثقافية العالمية اليوم، حيث تبدو الشيوعية كأنّها أضغاث أحلام من الماضي البائد، قليل من المثقفين من يجرؤ على تجديد الثقة في الفرضيّة الشيوعية. من بينهم الفيلسوف التقدمي آلان باديو. هؤلاء هم المثقفون الأحرار.

المثقفون الأحرار هم المنحازون دوما إلى القضايا العادلة، بغض الطرف عن موازين القوى، وبصرف النّظر عن نتائج المعارك.

إنهم قانعون مقتنعون بدورهم: إزعاج أولئك الذين يكتبون التاريخ، إزعاج المنتصرين.


كاتب مغربي

9