عن ذلك القناص الأميركي

الأربعاء 2015/01/28

كانت “العرب” أول صحيفة تنشر مقالا نقديا تحليليا عن فيلم “القناص الأميركي” المرشح لعدد كبير من جوائز الأوسكار. وسرعان ما أصبح الفيلم بعد بدء عروضه الأميركية، ظاهرة سياسية واجتماعية، فقد أقبل الأميركيون على عروضه بكثافة، ما جعله يحقق أكثر من 105 مليون دولار في أربعة أيام فقط، وهو رقم قياسي بالتأكيد.

ثم اختير باعتباره الفيلم الذي يستحق الحصول على جائزة أفضل فيلم في مسابقة الأوسكار، في استطلاع للرأي أجرته وكالة رويترز وشركة إيبسوس لأبحاث السوق بخصوص جوائز الأوسكار، وهذا في حالة استطلاع آراء الجمهور العادي، وليس أعضاء الأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون السينما التي تمنح جوائز الأوسكار.

هذا “الهوس” بفيلم يخلع البطولة على أكبر “قاتل محترف” في التاريخ الأميركي الحديث، هو كريس كايل، الذي قتل أكثر من 160 عراقيا بالقنص، لحساب القوات الأميركية، منهم عدد كبير من النساء والأطفال، من المؤكد أنه يمثل ظاهرة تستحق أن يتوقف أمامها المحللون النفسانيون المهتمون بوجه خاص، بتحليل السيكولوجيا الجماعية، أو ما يعرف بـ”سيكولوجيا القطيع”.

هل هي حاجة دفينة لدى الأميركيين إلى تجاوز عقدة الشعور بالذنب الكامنة منذ حرب فيتنام؟ وهل تمجيد القتل ولو باسم “الخدمة الوطنية” و”مكافحة الإرهاب”، موضوع يستحق أن تكرس له السينما كل هذه الاحتفالية، وأن تجعله الموضوع الرئيسي اليوم.

رغم كل ما جاء في اعترافات كريس كايل نفسه من تجاوزات يندى لها الجبين، وما يستخدمه في الكتاب الذي يروي فيه مذكراته، من أوصاف عنصرية بشعة، في وصف العراقيين والشعوب “الأخرى” التي يعتبرها “الأدنى” بشكل عام؟ وهل يمكن اعتبار الفيلم احتفالا بالهمجية العسكرية وطغيان القوة على حساب كل منطق وحس إنساني؟

لقد أشرت في مقالي الذي نشرته “العرب” عن الفيلم (بتاريخ 20 يناير)، إلى أن “القناص الأميركي” ينتمي إلى الفصيلة التي ينتمي إليها فيلم آخر شهير من عام 1968، هو فيلم “القبعات الخضراء”، أخرجه ثلاثة من المخرجين، من بينهم الممثل جون واين الذي قام ببطولته أيضا.

وكان الفيلم يخلع البطولة على أفراد فصيلة “القبعات الخضراء” -سيئة السمعة- الذين ارتكبوا المذبحة الشهيرة المعروفة بـ”مذبحة ماي لاي”، وراح ضحيتها نحو 500 من النساء والأطفال والشيوخ في قرية فيتنامية بالجنوب، خلال مارس 1968.

وقد لقي الفيلم وقتها هجوما شديدا، وفشل في عروضه العامة، بل اكتشف فيما بعد، أنه من صنيعة البنتاغون والمخابرات الأميركية.

فيلم كلينت إيستوود، يطرح قضية أخلاقية تتعلق بدور الفن، ودور الفيلم السينمائي، وهل الاحتفاء بالقتل، تحت أي مبرر، يصنع عملا فنيا عظيما؟ ثم.. هل ستكشف الأيام القادمة، أن ثمة علاقة بين المخابرات الأميركية وفيلم “القناص الأميركي”؟


ناقد سينمائي من مصر

16