عن رابط التحميل الحزين

حدثان قد عبرا ينبغي أن يكونا قد تركا أثرًا في أذهان الناس.
الجمعة 2021/04/23
رحيل خالق أدوب

حدثان عبرا في الأيام القليلة الماضية، ينبغي في عالم طبيعي أن يكونا قد تركا أثرًا في أذهان الناس. الأول هو رحيل صاحب الفضل على مليارات من أهل كوكب الأرض، غوتنبيرغ الثاني، العقل الأميركي تشارلز غيشكي قائد “ثورة النشر المكتبي” والذي أسس شركة “أدوبي” وابتكر صيغة “بي دي أف”، وطوّر “فوتوشوب”، و”أكروبات”، و”بريميير”، و”إليسترايتور” وغيرها.

أما الحدث الثاني فهو التداول الكثيف في عصر الصورة لنتائج تجربة أجريت على شريحة من الصمّ الذين استعادوا قدراتهم على السمع. وهو تطوّر مبهر، أن يعود الاهتمام بالأذن في زمن سطوة العين.

لا أجد أن الحدثين منفصلان، إن كنتَ تقول هذا لنفسك الآن عزيزي القارئ، بل يجمع بينهما الرابط ذاته، رابط التحميل عن الخارج إلى الداخل، إلى الوعي. توصل غيشكي إلى طريقة جعلت هذا الكمبيوتر المحمول الذي أكتب عليه الآن يحوي، وحده، أكثر من ألفي كتاب بين قديم وجديد، قرأتُ بعضها وأتوق إلى قراءة الجميع، وطبعًا هذا الجميع لن نصل إليه لأنه بفضل غيشكي فإن عملية الحصول على الكتب الجديدة متواصلة وتراكم المكتبة يكون بشكل شبه يومي. وما هو إلا رابط التحميل الذي يومض كهدية أمام أعيننا.

لكن حكاية غيشكي لا تخلو من الإثارة، فقد تم اختطافه من مكتبه تحت تهديد السلاح وتقييده ونقله إلى هوليتسر في كاليفورنيا، وبقي رهينة لفترة بغرض الحصول على فدية مالية، قبل أن يطلق سراحه.

لكن أعاد لي التفاؤل ذاك الحوار الرائع الذي جلبته تجربة العائدين من عالم الصمت، جرى سؤالهم عن الأشياء والأصوات. فكانت إجاباتهم مدهشة، سأختار بعضها هنا. أحدهم أجاب “فوجئتُ عندما اكتشفت أنّ لكلّ إنسان صوتًا مختلفًا”. بعضهم قال “عندما سمعتُ خرير الماء لأول مرّة، لم أصدّق أن للماء صوتًا”، وآخر أضاف “لم أكن أعلم أن تقليب الورق يُصدر صوتًا” وأخيرًا وهو خيال رائع وغريب تجسد في ما قاله هذا الأصم السابق “كنت أعتقد أن الشّمس تُصدر زئيرًا عندما تُشرق، مثل ماكينة تتحرّك بسرعة”.

أما أنا فما زلتُ أفكّر في ذاك المغضوب الذي سمح له وعيه المنحط بأن يختطف رجلاً قدّم لنا كل تلك الخدمات. فبالقياس إلى مستوى ذكاء الخاطف، لم يكن غريبًا أن تعثر عليه الشرطة بعد أربعة أيام فقط، وهو يحمل معه مبلغ الفدية التي طلبها لقاء الإفراج عن غيشكي وكانت 650 ألف دولار فقط.

ولو أني قابلتُ الخاطف لسألته هذا السؤال: هل للغباء صوت؟ هل يشبه خرير الماء؟ ويا ترى بأيّ صوت يحدّث الحمقى والجهّال والعنصريون والطائفيون والذكوريون الذين يحيطون بنا أنفسهم؟ وما هو الصوت الذي يشبه صوت حوارهم الداخلي مع أنفسهم؟

 
24