عن رجل لا يتقن سوى لعبة الهروب إلى الأمام

الأربعاء 2013/10/30

مرّة أخرى، يثبت رئيس النظام السوري بشّار الأسد، أنّه لا يعرف شيئاً لا عن لبنان ولا عن سوريا وأن لعبة الهروب إلى الأمام هي لعبته المفضّلة، بل اللعبة الوحيدة التي يتقنها جيّداً.

إذا كان الحديث التلفزيوني الأخير إلى إحدى المحطات الإيرانية- السورية، أي للنظامين الإيراني والسوري (وهي محطة مقيمة في لبنان) كشفت شيئا مفيدا، فإن هذا الشيء المفيد يتمثّل في أن الأسد الابن رجل لا علاقة له بالواقع.

يحاول بشّار حتى التشكيك في تورّط نظامه في عملية الإعداد لتفجيرات في لبنان عن طريق الوزير السابق ميشال سماحة. هل من عاقل يمتلك حدّاً أدنى من المنطق يستطيع التهرّب من أدلة دامغة بالصوت والصورة التقطت في ظروف أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها طبيعية؟

كلّ ما يمكن قوله أن الأسد الابن لا يعرف شيئا عن لبنان. يعتقد أنّ اللبنانيين سذّج وأنهم يؤمنون بشيء اسمه «المقاومة» و»الممانعة» وأنّهم لا يعرفون حقيقة الدور الإيراني الذي يلعبه حزب مذهبي اسمه «حزب الله». لا يدري أنّ اللبنانيين يعرفون شيئا واحدا. هذا الشيء هو أنّ هذه الشعارات تصلح فقط للمتاجرة بلبنان واللبنانيين وسوريا والسوريين وفلسطين والفلسطينيين.

فهمنا أن بشّار الأسد لا يعرف شيئا عن لبنان، وأنه أسير النظام الإيراني الذي عرف كيف يجعل من سوريا مستعمرة إيرانية من منطلق مذهبي بحت. فهمنا أيضا أنّه لا يستطيع التعاطي إلا مع أسوأ أنواع اللبنانيين، من كل الفئات والمذاهب والطوائف. لا يستطيع بشّار الأسد إلا أن يرحّب بحلف مع من كرّس حياته من أجل تهجير المسيحيين من لبنان، مثل ذلك النائب الذي اسمه ميشال عون، أو من على شاكلته.

فضلا عن ذلك،لا يستطيع إلا أن يكون تحت رحمة «حزب الله» الذي ليس سوى ميليشيا مذهبية إيرانية. ولا يستطيع إلا أن يكون مع السنّة اللبنانيين الذين على استعداد يومي لبيع وطنهم بالجملة والمفرّق والمرفوضين حتى من جيرانهم. أمّا حلفاؤه من الدروز، فهم من سقط المتاع، أي من الذين لا يؤمنون سوى بلغة البيع والشراء متى تحين الساعة، ومتى تنضج الظروف التي تسمح لهم بذلك.

نعم، فهمنا أن بشّار الأسد لا يعرف شيئا عن لبنان وأنّه على استعداد لارتكاب كل الأخطاء الممكنة في حق الوطن الصغير، وفي حق سوريا نفسها.

يفعل ذلك من منطلق أنّه مدعوم إيرانيا وروسيا، وأن إيران تتصرّف من منطلق أنها القادرة على توفير كلّ ما يحتاجه من رجال وسلاح.

أمّا روسيا- فلاديمير بوتين، فهي مستعدة للذهاب بعيدا في دعم نظامه نظرا إلى أنها تراهن على تفكيك سوريا، وعلى أن جزءا من سوريا المفككة سيظل منطقة نفوذ لها. مثل هذه المنطقة السورية ستسمح لها بالمساومة طويلا مع الأميركيين…حتى آخر مواطن سوري.

لا شكّ أن بشّار الأسد يستفيد حاليا من وجود إدارة أميركية مترددة لا تعرف ماذا تريد. إنها إدارة تظنّ أن في الإمكان عقد صفقة مع إيران في شأن ملفها النووي، على غرار الصفقة التي عقدت، عبر روسيا، مع النظام السوري في شأن السلاح الكيميائي.

بموجب الصفقة مع إدارة باراك أوباما، يعتقد النظام السوري أن في استطاعته متابعة قتل شعبه إلى ما لا نهاية بمجرّد أنه رضخ لما يطالب به الأميركيون في كلّ ما يخص سلاحه الكيميائي.

في الوقت ذاته تطمح إيران إلى صفقة مماثلة مع الولايات المتحدة. بموجب هذه الصفقة، يقدّم النظام كلّ الضمانات المطلوبة منه أميركيا وإسرائيليا، في شأن السلاح النووي، في مقابل إطلاق يده في تخريب المنطقة عن طريق تعميق الصراع المذهبي في كل دولة عربية يستطيع الوصول إليها.

ما فات بشّار الأسد وما فات النظام الإيراني في الوقت ذاته أنّ هناك ثورة حقيقية في سوريا. هذه الثورة ليست مرتبطة بخلافات المعارضة وحسابات هذا الفريق المعارض أو ذاك. في أساس هذه الثورة رفض شعبي لنظام طائفي فئوي لا علاقة له من قريب أو بعيد بالشعب السوري.

لا شكّ أن في إيران من يتفهمّ جيدا أن سوريا لن تبقى مستعمرة إلى الأبد، وأن لا بدّ من التركيز على لبنان كي يبقى منطقة نفوذ لطهران. هذا ما يفسّر إلى حدّ كبير الدور الإيراني في لبنان الذي يصبّ في عملية تغيير طبيعة النظام القائم الذي أسّس له اتفاق الطائف.. والانتقال من المناصفة إلى المثالثة.

هل يمتلك بشّار الأسد ما يكفي من الشجاعة كي يرحل اليوم قبل غد؟ هل يعي أن وجوده في السلطة مؤشر إلى أنه لا يعرف شيئا عن سوريا، وعمّا يجري في سوريا؟ هل يدرك أن جهله بلبنان انسحب أيضا على سوريا؟

قد لا يكون من معنى يذكر لهذه الأسئلة، في حال لم يستوعب رئيس النظام السوري أنه لم يفهم لبنان يوما ولم يفهم تحديدا أن قتل رفيق الحريري لن يقدّم ولن يؤخر بالنسبة إلى مصير نظامه نظرا إلى أنّ مشكلته في سوريا أوّلا وأخيرا. مشكلته مع شعبه وليس مع أي طرف آخر. لم تكن مشكلته يوما مع رفيق الحريري. لن ينفعه شيء في الهرب من هذه المشكلة مهما ارتكب من جرائم في حق السوريين واللبنانيين.

واضح أنّ على رئيس النظام السوري العودة دائما إلى نقطة البداية. ونقطة البداية أنه رئيس لنظام لا يمتلك أي شرعية من أي نوع كان. منذ متى كان القتل يشكّل شرعية؟ هل اكتسب والده شرعية لبنانية بمجرّد أنه تخلّص من كمال جنبلاط ثم من بشير الجميّل وكثيرين غيرهما؟ هل اكتسب قبل ذلك شرعية سورية بمجرّد التخلص من محمّد عمران وسجن صلاح جديد.. حتّى الموت؟

هل يريد الابن تعلّم شيء من دروس كان مفترضاً أن يتعلّم منها الوالد شيئاً.. أم أن قتل رفيق الحريري، ثم التغوّل في ارتكاب المجازر في حق الشعب السوري يغنيان عن التعلّم من أيّ تجربة من أي نوع كان؟ هل يدرك أخيرا أنّ تمسّكه بالسلطة اعتماداً على الإيراني والسوري لا يخدم سوى هدف واحد.. هدف القضاء على سوريا والكيان السوري.


إعلامي لبناني

8