عن شجون صناعة الكتب

الأحد 2017/05/14

كان الفنان محيي الدين اللباد (1940-2010) يسمي نفسه “صانع الكتب”. لقبٌ شديد التواضع والاعتداد، وقائله كاتب ورسام وخطاط لم يزاحم أحدا ولم يصمم غلافا لكتاب لا يحبه. زرته عام 2009 وعلى مكتبه مشروع كتاب عن فن الخط العربي لا أعرف مصيره، وتخطيط لغلاف “حجرتان وصالة” لإبراهيم أصلان، وقال إنه تحرر من سطوة المؤسسات ويستمتع على مهل بما يفعل ويرد على الكتابة الجميلة بهدية، واشترط أن يكتب الناشر أن تصميمه لغلاف كتاب أصلان “هدية للمؤلف من الفنان محيي الدين اللباد”.

يتجدد الجمال، وتمنح فتنته أعمارا أخرى لصاحبه، هكذا ستحيا أعمال اللباد وأصلان. وفي مهرجان الإسماعيلية الدولي للسينما التسجيلية والقصيرة (أبريل 2017) شاهدت الفيلم القصير “خليل.. عن أمور في غاية الأهمية”، وهو مقتبس من الحكاية الثانية في كتاب “حجرتان وصالة”، وعنوانها “الرجل الذي كسر الطبق”. عنوان غير موفّق لفيلم جميل أنجزه مخرجه إسلام شامل بنديّة لأصلان، فتصرف بشجاعة في القصة منطلقا منها غير عائد إليها في أغلب التفاصيل، ودليله في ذلك مباراة ربحها داود عبدالسيد في جرأته على التصرف في رواية أصلان “مالك الحزين”، حين قدم فيلم “الكيت كات”.

يقاس نجاح المخرج بثقته في أدوات فنه حين لا يهزمه عمل أدبي كبير، وهذا ما يفشل فيه كثيرون، تستنسخ أفلامهم الأعمال الأدبية، كأنك تعيد قراءة الرواية وتفقد الأمل في الاستمتاع بجماليات السينما.

في مكتبة قصر الثقافة بالإسماعيلية جذب انتباهي كتاب “روح الإرهاب”. هناك كتب لا أحتاج إلى تصفّحها قبل الشراء، ثقة في المؤلف واختيارات المترجم، فما بالنا بجان بودريار مؤلفا، وبدرالدين عرودكي مترجما. صرفني الكتاب عن حضور حفل ختام المهرجان، وعشت مع المؤلف أجواء الحرب العالمية الرابعة التي اندلعت في 11 سبتمبر 2011، بعد ثلاث حروب (الأولى والثانية والباردة) اكتسبت مجازا صفة العالمية، أما الحرب العالمية الرابعة فهي “تلازم كل نظام عالمي، كل سيطرة مهيمنة، ولو كان الإسلام يسيطر على العالم لوقف الإرهاب ضد الإسلام”.

تخطيط: ساي سرحان

صدر “روح الإرهاب” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2010، في سلسلة “مكتبة الأسرة”. ويسهل على القارئ أن يلاحظ استسهالا في بطاقة البيانات التي تلي صفحة العنوان، وفيها كتب اسم المؤلف مرتين بطريقتين “جان بودريار” و”جان بوديار” بحذف حرف الراء في الاسم الثاني. ولم يكن المترجم أقلّ من المؤلف في الإصابة بداءٍ نزعَ الثقة من صناعة الكتب في مصر، إذ كتب اسمه “بدرالدين عمر زكي” و”بدرالدين عمرو زكي”. والقارئ الذي لا يعرفه سيحار بين عمرو وعمر، أما بدرالدين فلا هذا ولا ذاك.

صلاح عبدالصبور الذي كان رئيسا لهذه الهيئة مسّته عشوائيتها. في عام 1988 نشرت الهيئة مجلدا ضم مسرحياته الخمس “بعد أن يموت الملك” و”مأساة الحلاج” و”ليلى والمجنون” و”الأميرة تنتظر” و”مسافر ليل”. وفي الآونة الأخيرة أصدرت الهيئة نفسها طبعة جديدة لمسرحية «الأميرة تنتظر» بدون المشهد الأخير وصفحتين بعنوان «تذييل» سجل فيهما عبدالصبور تاريخ كتابة المسرحية (1969)، وأن نبيل الألفي حين شرع في إخراجها عام 1971 على “مسرح الجيب” بالقاهرة رأى النهاية “ليست حاسمة”، “وأثار الأستاذ المخرج ذلك النزاع الإغريقي القديم، حول الحكم لذات الحكم، والحكم لصالح المجموع”، فكتب عبدالصبور المشهد الأخير المحذوف من الطبعة الجديدة.

سلسلة مكتبة الأسرة التي أصدرت “روح الإرهاب” تتولاها لجنة كان المشرف العام عليها آنذاك محمد صابر عرب وزير الثقافة مرتين بعد ثورة 25 يناير، ويبدو أن اللجان تفسد العمل الصالح، في حين كان سعيد جودة السحار بمفرده يتولى تصحيح ومراجعة أعمال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما من المؤلفين في “مكتبة مصر”. أتذكر السحار وأنا أطالع ثلاثة أسماء (مترجم ومراجع وكاتب مقدمة) على غلاف كتاب “صورة لمصر.. رحلة في عالم الجماعات الإسلامية المتشددة” للأميركية ماري آن ويفر. لم ينتبه هؤلاء الثلاثة، ومعهم المراجع اللغوي، إلى نشاز الترجمة الحرفية لقلب الدين حكمتيار الذي تكرر اسمه كثيرا فصار “جلبادين حكمتيار”، في ترجمة حرفية نخشى معها أن نقرأ غدا كتابا مترجما عنوانه “صلادين” الأيوبي.

روائي من مصر

11