عن عصر الأغنية الوجودية

لا شك في وجود بعض الأصوات الجيدة في ساحة الغناء، لكن إما أنها لا تجد من يكتب لها كلمات مناسبة ومن يقدّم لها ألحانا تليق بصوتها وتبرز جماله وقوته.
الأربعاء 2018/05/02
القصيدة سمة الغناء في الستينات

لا شك في وجود بعض الأصوات الجيدة في ساحة الغناء، لكن إما أنها لا تجد من يكتب لها كلمات مناسبة ومن يقدّم لها ألحانا تليق بصوتها وتبرز جماله وقوته.

أستمع إلى الغناء الحديث المنتشر هذه الأيام وأضرب كفا بكف، ففي معظم الأحوال لا أستطيع التفريق بين أغنية وأخرى لنفس المطربة أو المطرب، فالكلمات سطحية ساذجة، تنزلق على سطح الموسيقى الإيقاعية الراقصة التي لا يقصد منها أن يستمع المستمع وينصت ويشعر بجمال اللحن والنغم، بل أن يتمايل فقط على الإيقاعات الراقصة، ولذلك فقد الغناء رونقه وسحره، خاصة مع تدهور كلمات الأغاني التي تعبّر عن حالة وجدانية واحدة لا عمق فيها ولا سحر خفيا.

لا شك في وجود بعض الأصوات الجيدة في ساحة الغناء، لكن إما أنها لا تجد من يكتب لها كلمات مناسبة ومن يقدّم لها ألحانا تليق بصوتها وتبرز جماله وقوته، وإما أنها تندمج طواعية في ضجيج الغناء السائد المتدّني لتنافس مثيلاتها في مجال التوزيع والتسويق والرواج التجاري.

المشكلة أن الجمهور أيضا لم يعد يميل للاستماع، بل يفضّل الرقص على السمع، والتمايل المرتجف مع الإيقاعات عوضا عن الإحساس الجميل بالطرب، لذلك غاب غناء القصيدة بدرجة ملحوظة، وأصبح من يغنيها يردّد كلماتها في رتابة كأنه يقرأ من كراس في يده.

كانت القصيدة سمة الغناء في الستينات، وكانت تحفل بالأشعار التي تطرح تساؤلات وجودة كبيرة حول الذات والعالم والمصير، ممزوجة بمعاني الحب والعشق ولوعة المحب، وكلها من موروثات الغناء العربي.

كان علي مهدي يكتب وعبدالحليم حافظ يغني وعبدالوهاب يلحن كلمات مثل:

“فوق الشوك مشاني زماني قاللي تعال نروح للحب

بعد سنين قاللي إرجع تاني حاتعيش فيه مجروح القلب

اللي مشيته رجعت أمشيه واللي قاسيته رجعت أقاسيه.. فوق الشوك!”.

وكأنما كان الشاعر (والمغني) يستوحيان شيئا أشبه ما يكون بعذاب سيزيف في الأسطورة اليونانية الشهيرة.

في عصر القصيدة الغنائية كانت تبذل جهود هائلة بين الشاعر والمغني والملحن والفرقة الموسيقية والتوزيع الموسيقي مع تعدّد الآلات بدرجة مذهلة، وكان يمكن أن يستغرق عزف المقدّمة الموسيقية على المسرح، كمقطوعة قائمة بذاتها، عشر دقائق كاملة.

وكثيرا ما كان يثير غناء القصائد مشاكل مع التيارات المتزمّتة التي ترفع شعار التكفير، ولكن على استحياء، فقد كان العصر عصر الدولة القوية التي كان يمكنها أن تردع وتسكت مثل هذه الأصوات الغبية المعادية للفن عموما وليس كما هو حاصل اليوم، بعد أن انفلتت الأمور بعد إقرار مبدأ “الحسبة” الذي يسمح لأي داعي بأن يقاضي من يشاء من أهل الفن والفكر بدعوة أنه يدافع عن المبادئ الثابتة التي تمس المجتمع ككل، أي أن سيادته نصّب من نفسه محاميا يدافع عن أذواق الشعب في حين أنه يريد أن يقمع ويخرس ويسكت، ولو طال لأقام الحد على من يعتقد أنه يخالفه في فهم الدين.

ولا شك أن شيوع مثل هذه الثقافة في المجتمعات العربية عموما، هو السبب الأساسي في ما وصلت إليه البلاد من كوارث.

قامت قيامة قوى التطرّف عندما غنى عبدالوهاب “جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت” للشاعر العظيم إيليا أبوماضي، ثم أثارت قصيدة “الأطلال” التي غنتها أم كلثوم وهي قصيدة وجودية بامتياز، ضجة هائلة بسبب مقطع في قصيدة الشاعر إبراهيم ناجي، يقول:

يا حبيبي كل شيء بقضاء

ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما تجمعنا أقدارنا

ذات يوم بعد ما عز اللقاء

فإذا أنكر خل خله

وتلاقينا لقاء الغرباء

لا تقل شئنا

ولكن الحظ شاء

تساءل المعترضون: كيف يكون الحظ هو الذي يشاء، فالمشيئة لله وحده، وهو خلط للأمر كالعادة بين الديني “المطلق” والفني “النسبي”، وهذه عادتهم المألوفة.

وكانت قصيدة كامل الشناوي “لست قلبي” التي لحنها عبدالوهاب وغناها عبدالحليم قد أثارت لغطا مماثلا بسبب البيت الذي يقول:

قدر أحمق الخطى

سحقت هامتي خطاه

ومرة أخرى يصرخون: “وكيف يكون القدر أحمق؟ هذا لا يصح”.. وكل هذا الهراء!

16