عن غفلة اليسار المغفّل

الاثنين 2016/05/16

يقول لنا البعض: نحن متخلفون فعلا لكن المخابرات الغربية تستغل تخلفنا لكي تثير الفتنة بيننا. يقول البعض الآخر: نحن متخلفون بالفعل لكن الإمبريالية الغربية هي التي تستغل تخلفنا لكي تديم استغلالها لنا وتؤبد سيطرتها علينا. نقول لهذين البعضين: إذا كنا متخلفين وقابلين للاستغلال فالواجب يقتضي نقد الذات أوّلاً. فليس هناك من ينوب عنك أو مطلوب منه أن ينوب عنك في تنظيف بيتك الداخلي. الأمر واضح إذن، إذا كان ظهرك منحنيا فلا تشتم من يركب عليك قبل أن تصلح اعوجاج ظهرك. الحاصل أن الاعوجاج كامن في ذهنياتنا، راسخ في عقلياتنا، ثابت في تصوراتنا، متجذر في رؤيتنا للذات والعالم والوجود والحياة. وفي غياب الإصلاح الثقافي الشامل سنبقى ندور في حلقة مفرغة من فتنة إلى فتنة، ومن طغيان إلى طغيان؛ طالما البنيات السياسية هي ثمرة البنيات الثقافية في آخر التحليل.

ثمة معضلة لا يلتفت إليها اليسار المغفّل، وبسبب غفلته نراه يخدم أجندة المتطرفين الدينيين في بعض الأحيان، إن تمثلات الناس للمفاهيم هي التي تحدد وعي الناس أكثر من المفاهيم نفسها. حين يدعو اليساريّ الناس إلى مناهضة الإمبريالية مثلاً فالحاصل أنّ الناس انطلاقا من تمثلاتهم الرّاسخة يخلطون بين صفة الإمبريالية وصفة الصليبية. وهو الخلط الذي حاولت الخمينية أن تستثمره لأجل نحت مفاهيم ملتبسة، من قبيل الاستكبار العالمي. إننا إذا لم نقم بتقويض التمثلات الذهنية للناس والتي لا تزال تصنف العالم إلى مؤمنين وكفار، مسلمين ومشركين، دار الإسلام ودار الحرب، أهل الحق وأهل الباطل، حزب الله وحزب الشيطان، فسينتهي نضال الناس ضدّ “الآخر” (الإمبريالية، الصهيونية، العولمة الرأسمالية، إلخ) إلى استنفار تمثلاتهم الدينية القروسطية “للآخر”. وهنا تكمن الغفلة الكبرى لليسار المغفل داخل المجتمعات العربية والإسلامية.

ولأن محاورة المنظومة من داخلها أمر مستحبّ فلا بأس من التذكير بأن أحد الدروس الأساسية للماركسية يتعلق بالتمييز بين التناقض الأساسي والتناقض الثانوي، مع وجود سمة أخرى لهذا التصنيف: التناقض الداخلي تناقض أساسي، والتناقض الخارجي تناقض ثانوي. بمعنى، ولكي تكون الرّؤية واضحة جليّة، فإن دور المخابرات الدولية (ذات الخلفية الصليبية حسب البعض، أو الخلفية الامبريالية حسب البعض الآخر) يقع في كل أحواله ضمن العوامل الخارجية والثانوية والمكملة. إنها عوامل لا ننفيها بالجملة، لكننا بكل تأكيد لا نمنحها الدّور الحاسم. بمعنى أن العوامل الأساسية للتخلف والفتنة والاستبداد تبقى موجودة داخل مجتمعاتنا لا خارجها.

وهنا بوسعنا القول إن الصراع الحاسم داخل مجتمعاتنا هو الصراع بين قوى التحديث بكل تياراتها الليبرالية واليسارية والحقوقية والنسائية والبيئية والعلمانية، وقوى المحافظة بكل تياراتها السلفية والإخوانية والوهابية والخمينية والدّعوية والجهادية. إنه صراع بين العالم القديم الذي لم يعد موجودا في غير الأوهام، والعالم الجديد الذي نقف على عتبته مترددين خائفين من أن يكون ثمن الدخول إليه ضياعا للدين وشقاء في الآخرة كما تروّج القوى المحافظة.

غير أن نقد تمثلات الذات يبقى الغائب الأكبر عن وعينا، بل المغيّب الأكبر. فإننا لا نزال نستسهل إلقاء اللّوم كل اللوم على الآخر، أميركا وإسرائيل على سبيل المثال. وفي هذا النمط من التنصل من المسؤولية تلتقي بعض أطياف اليسار مع معظم أطياف الإسلام السياسي. لكن، دون نقد شامل وجذري للذات فلا سبيل إلى أي تطوير أو تجديد أو تحديث، بل لا سبيل إلى البقاء.

لقد تطورت الحضارة الحديثة بفعل النقد الذاتي الذي مارسته الحضارة الحديثة بنفسها على نفسها من روسو إلى فوكو. تطورت العقلانية المعاصرة بفعل النقد الذاتي الذي مارسته العقلانية المعاصرة بنفسها على نفسها بدءا من كانط ووصولا إلى كارل بوبر وهابرماس. تطورت المسيحية الغربية بفعل النقد الذاتي الذي مارسته المسيحية الغربية بنفسها على نفسها بدءا من مارتن لوثر وجان كالفن إلى غاية هانز كينغ. واليوم تنفتح آفاق جديدة لتطور الحضارة المعاصرة بفعل النقد الذاتي الذي تمارسه الحضارة المعاصرة من خلال فلاسفة من حجم آلان باديو وتشومسكي ومشيل سير وغيرهم.

نقد الذات لا يعني التنكر للذات أو إنكارها، بل يعني إيقاظها من السبات النرجسي الذي تميل إليه، والذي قد يبلغ حد الغيبوبة المفضية إلى الموت السريري في بعض الأحيان. بل إن نقد الذات لهو التعبير الأسمى عن إرادة الحياة بالمعنى النيتشوي، وعن نزاهة الحقيقة بالمعنى الديكارتي، وعن قيمة الصدق بالمعنى الكانطي. نقد الذات هو الدافع الحيوي لحركة التاريخ نفسها، وذلك عندما لا تريد الذوات أن تبقى متفرجة على جنبات التاريخ، مشاغبة محتجة ومعربدة على مدرجاته. نقد الذات يعني الخروج من سبات العقل، وتثاؤب الوعي، وشلل الإرادة، واضمحلال الرغبة، وأفول البُعد الإنساني في الإنسان.

نقد الذات في مجتمعاتنا الإسلامية يعني تحرير الذات من حالة العداء العصابي للجسد والمرأة والحياة، تحريرها من ثقافة العبوس واليأس، تحريرها من فقه الولاء والبراء والشقاء، تحريرها من مفاهيم الطاعة والبيعة والجماعة، تحريرها من أجواء الخمول والذبول. نقد الذات فرصة لإنقاذ الذات من الموت والفناء.. إنه الفرصة الوحيدة.

كاتب مغربي

9