عن فتح ومؤتمرها السابع

الاثنين 2016/12/05

عقدت حركة “فتح” كبرى المنظمات الفلسطينية، والحركة التي قادت العمل الوطني الفلسطيني طوال نصف قرن مضى، مؤتمرها العام السابع في رام الله، بعد سبعة أعوام على عقد مؤتمرها السادس (2009 في بيت لحم)، والذي عقد بدوره بعد عقدين من التئام سابقه، أي الخامس، الذي كان قد عقد في تونس العاصمة (في العام 1988).

من الفقرة السابقة يمكن الاستنتاج أن هذه الحركة لا يوجد لديها انتظام في حياتها الداخلية، إذ أن اللائحة التي تنظم هيكليتها التنظيمية تنصّ على انعقاد المؤتمر كل خمسة أعوام؛ هذا أولا. ثانيا، هذا يعني أن كل التوجهات السياسية المصيرية التي اتخّذتها قيادة هذه الحركة، ومن موقعها في قيادة المنظمة والسلطة، لم تأخذ مشروعيتها من الهيئة العليا أو التشريعية للحركة، أي المؤتمر العام، وأنها لم تأخذ حقها من النقاش في أطرها، وهذا ينطبق على اتفاق أوسلو (1993)، وإقامة كيان السلطة في الضفة والقطاع.

ثالثا، يعني ذلك أيضا، أن هذه الحركة عقدت مؤتمرين لها في الداخل في حين عقدت خمسة مؤتمرات لها في الخارج.

من جهة عضوية المؤتمر يمكن ملاحظة الجوانب الآتية:

أولا، كان حجم تمثيل الفلسطينيين اللاجئين أو تنظيم “فتح” في الخارج، أعلى بكثير من حجم تمثيل فلسطينيي الضفة والقطاع في المؤتمرات الخمسة الأولى لفتح، أي إبان وجود العمل الفلسطيني المسلح في الخارج.

أما في المؤتمرين السادس والسابع اللذين عقدا في الداخل فقد كان حجم تنظيم الخارج (بما فيها الأردن وسوريا ولبنان) ضئيلا جدا (128 من 1400 عضو).

ثانيا، كان تمثيل تنظيم “فتح”، وهو بمثابة جهاز من أجهزة هذه الحركة التي لا تتشكل وفق هيكلية تنظيمية واضحة أو على الطريقة الحزبية، قليلا جدا (438 عضوا من 1400 عضو) لممثلي التنظيم في الداخل والخارج.

ثالثا، حجم المنتخبين قليل جدا بالقياس مع عدد المعيّنين من قبل القيادة الفتحاوية، إذ لا يزيد عددهم عن 546 عضوا من 1400، أي أن عدد المعيّنين حوالي 850، تبوأوا العضوية تحت بنود نص عليها النظام الداخلي وفق مسميات مثل: مجلس استشاري وكفاءات وعسكريين وسفراء ومنظمات شعبية وموظفين في السلطة والمنظمة، علما وأنهم في الأخير احتلوا تلك المناصب بتعيين من القيادة ذاتها.

في الوقائع، فقد استهل المؤتمر أعماله بتجديد الولاء لمحمود عباس، بل وتنصيبه قائدا عاما لحركة فتح، وهو غير موجود في النظام الداخلي، الذي ينص على وجود منصب رئيس للحركة، وهو بدوره تم استحداثه في المؤتمر السابق فقط، وطبعا هذا خطأ وتجاوز من الناحية التنظيمية ومن الناحية السياسية، لا سيما وأنه لا يجوز لحركة أو لحزب ما أن يعطي ثقته لشخص، أيا كان، على بياض، إذ كان يفترض أن يتم ذلك بعد مناقشة تجربة الحركة ومراجعة مسارها، والتقرير في ما إذا كانت تسير على صواب أو عدمه.

الناحية الثانية، تتعلق بتحول المؤتمر إلى نوع من مهرجان خطابي، مع كثرة المتكلمين من الوفود، ومع كلمة الرئيس أبومازن التي استمرت ثلاث ساعات، دون أن يعرف أحد ماذا يقصد أو ماذا يريد؟، لا سيما وأنه صوّر الأمور وكأن أوضاع الحركة والسلطة والشعب الفلسطيني على خير ما يرام، وكأن كل هذا التراجع في شعبية فتح ودورها في مواجهة إسرائيل، وإخفاق خيارات المقاومة والانتفاضة والمفاوضة لا تعني شيئا. وفي كل الأحوال فإن الرئيس لم يكن موفقا في كلمته، التي خرج فيها عن النص، وبدا مزاجيا في طروحاته الشفوية ويفتقد للدقة وللحس السياسي.

الأهم من ذلك بدا من الكلمات ومن الأجواء الاحتفائية وكأن مهمّة المؤتمر هي مجرد الاحتفاء برئيس الحركة أو قائدها العام، وتأكيد شرعية الطبقة السياسية المهيمنة، وذلك من خلال إعادة انتخابها، بدلا من أن تنصبّ مهمته على إجراء مراجعة نقدية مسؤولة حول تجربة فتح، بما لها وما عليها، أين أخطأت وأين أصابت؟ ولماذا حصل لها أو ما حصل فيها؟ وأيضا ملاحظة الإخفاق في خياري السلطة والتسوية، وتاليا البحث عن خيارات موازية أو بديلة، ناهيك عن مراجعة دور حركة فتح في المنظمة والسلطة على ضوء غياب الأولى، وترهّل الثانية، إضافة إلى بحث الأوضاع التي تمكّن من تحويل حركة فتح إلى تنظيم حقا، وذلك بتفعيل الأطر التنظيمية وشمولها لمختلف إطارات وأجهزة الحركة، واعتماد معايير الكفاءة والوطنية والنزاهة، لاستنهاض وضع الحركة، وإعادة الاعتبار لها كحركة تحرر وطني وتجديد أهليتها النضالية.

في اللوائح السياسية تم تفصيل البرنامج السياسي المقدم للمؤتمر بحيث يشرّع ويبرّر ويكرّس الخيار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية منذ أربعة عقود، أي خيار إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، رغم أن هذه القيادة ذاتها نعت هذا الخيار مرارا، بسبب التعنّت الإسرائيلي، وبحكم استشراء الاستيطان، وقضم أراضي الضفة، وبالنظر إلى استنكاف الدول الكبرى عن الضغط على إسرائيل وغياب الفاعلية العربية، وعدم قدرة الفلسطينيين على وضع هذا الخيار منذ أربعين عاما.

الأنكى من ذلك أن هذا البرنامج لم يأخذ في اعتبـاره أن كيان السلطة بات مجرد ملحق بإسرائيل أو مرتهن لها، فضلا عن أنه قارب أو خضع للسـردية الإسرائيلية باعتباره يرى الصراع مع إسرائيل وكأنه بدأ في العام 1967، علما وأن حركة فتح كانت انطلقت أصلا في 1965، بهدف تحرير فلسطين.

لذلك يمكن القول إن المؤتمر السابع هو مجرد امتداد للمؤتمر السادس وهو يحث الخطى على مغادرة المبادئ الأساسية التي قامت عليها فتح، ومغادرة تجربتها كحركة تحرر وطني باتجاه التحول إلى حزب للسلطة أو حزب لبيروقراطية السلطة.

كاتب سياسي فلسطيني

8