عن فكرة المسلسل التاريخي

الأربعاء 2015/05/06

يتصور البعض أن أحداث ووقائع التاريخ والشخصيات التاريخية الشهيرة تصلح -كما هي- مادة لعدد لا نهاية له من المسلسلات والأعمال الدرامية، وأن كل ما يمكن لكاتب السيناريو أن يفعله، هو مراجعة الكتب التي صدرت عن تلك الأحداث والشخصيات.

أما عندما تكون تلك الشخصيات والوقائع حديثة نسبيا، يكفي أن يلجأ كاتب السيناريو، إلى مراجعة ما نشر في الصحف والمجلات عن الشخصية المقصودة، ينتقي منها ما يناسبه، وما يساهم في إضفاء هالة من الضوء على الشخصية التي يتناولها، خاصة إذا كانت أجهزة الإعلام قد صنعت لها صورة إيجابية مسبقة في ضمائر المشاهدين.

والحقيقة أن إعادة قراءة التاريخ تقتضي تقليب الحدث -محل التناول- من جميع جوانبه، فالقصص التاريخية السائدة، أي التي يمكن أن نطلق عليها “المعتمدة رسميا”، هي عادة ما تكون مكتوبة من جانب واحد، أي طبقا للرواية الرسمية التي أصبحت معروفة ومنتشرة على نطاق واسع، لا لسبب سوى لكونها دُونت ونشرت من جانب الطرف المنتصر، أو الغالب، أو الحاكم، في تلك اللحظة التاريخية.

ومن المفترض أنه بعد مرور عشرات أو مئات السنين على وقوع الحادثة، أن يعود كاتب السيناريو الذي يعتزم كتابة مسلسل من 30 أو 40 حلقة مثلا، إلى تقليب وبحث ودراسة الحدث-الشخصية من جميع جوانبها، أي يرجع إلى “التاريخ غير الرسمي” أو حتى “غير المكتوب”.

وعادة ما تظهر الشخصيات التاريخية في المسلسلات العربية، كما يريدها كاتب السيناريو أن تظهر، وليس كما كانت في الواقع، أي أنه يجعل منها شخصيات “فوق الواقع″، لا ترتكب أخطاء كما يرتكبها البشر، ولا يمكن أن تتورط في حماقات معروفة، بينما هذه الجوانب كلها هي التي تضفي الملامح الإنسانية على تلك الشخصيات، وتجعلها أقرب إلى المشاهدين.

التاريخ في الدراما، لا يجب أن يكون مقصودا لذاته، أي أن يعيد المسلسل تكرار ما ورد في كتب التاريخ بشكل حرفي، مع وضع عبارات الحوار على لسان الشخصيات المختلفة، استنادا إلى القصص والحكايات التي وردت في الكتب، بشكل مفتعل، يجرد الشخصيات من بساطتها الإنسانية.

فالحوارات في المسلسلات العربية التاريخية أو تلك المبنية على تقديم شخصيات تنتمي إلى تاريخنا الحديث مثل جمال عبدالناصر وأم كلثوم وطه حسين مثلا، هي حوارات مصنوعة وقائمة على ما ورد في الكتب، في حين أن كاتب السيناريو والحوار يجب أن يستمد الحوار من خياله الشخصي وخبرته الإنسانية، بحيث يجعل الشخصية التاريخية قريبة من الناس.

فليس من المتصور مثلا أن يخاطب جمال عبدالناصر زوجته على مائدة الغداء بقوله “إحنا بنواجه تحديات صعبة جدا يا تحية في الوقت الحالي.. ضغوط من الداخل والخارج، ولكن ده اختبار لنا ولشعبنا، ولا بدّ نصمد في الاختبار حتى النهاية!”

وكان يوسف شاهين يحاول تقريب التاريخ كما فعل في فيلم “المهاجر”، عن طريق استخدام صياغة الحوار بطريقة العامية المصرية المبتذلة، كأن تستخدم الشخصيات كلمات مثل “الكوز” و”الفلاية” وغيرها من الكلمات التي تجعل الشخصية التاريخية أضحوكة!

من المفترض بالطبع أن لا يكون تناول التاريخ في الدراما مقصودا لذاته، وإنما لكي تسقط على أحداث ووقائع الحاضر، أي أن القصة التاريخية التي يتم تناولها في الدراما يجب أن تحمل معنى معاصرا يصل إلى المشاهدين، ويساهم في دفعهم إلى التفكير في ما يحدث من حولهم في عالم اليوم، بدلا من الهرب من تناول قضايا الواقع إلى التاريخ، إما للتحسر على ما كان، أو البكاء على الماضي، فلا التحسر ولا البكاء يصنعان أعمالا درامية عظيمة.

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16