عن قطر التي..

كثرة المال، تصيب البعض بالجنون. فإذا قيل لك، ما قطر؟ قل إنها التي.. تملك من العفاريت ما يكفي لإيذاء الجميع، وإنها الفيل الذي يستطيع أن يطير، وإنها الحاوي الذي ترقص على مزاميره كل الأفاعي.
الأربعاء 2018/12/19
ماذا تريد قطر؟

بماذا يرتبط اسم “قطر”؟

هذا سؤال يجدر بكل بلد آخر أن يسأله عن نفسه. إنه سؤال حيوي، ليس لأنه يرسم صورة للبلد في أعين الناس وأهله فحسب، ولكنه يكشف عن مساره أيضا.

نحن، وأعني كل دولنا، بحاجة إلى أن نعرف الجواب. فمنه تبتدئ الصورة، ومنه يبتدئ المسار نحو المستقبل.

إنه سؤال هوية أيضا. صحيح أن هوياتنا التقليدية تبدأ عادة بـ“عربي” “إسلامي”… الخ. ولكن هل هذا يكفي؟ تستطيع أن تُمضي ألف سنة أخرى وأنت تحمل الهوية نفسها. ولكن ماذا بشأن الهويات الصانعة، التي تشكل “مُعامل” التجديد في معادلة الوجود؟

هنا، في هذا “المُعامل” بالذات يمكن للهويات الأساسية أن تنضج وأن تقدم صورة جديدة عن نفسها، وأن تبقى.

بعض بلداننا تبدو بلا مستقبل، لأنها من دون توجه. والكثير من بلداننا الأخرى تبدو وكأنها تأخذ توجها استاتيكيا يشبه عيش المرء ليومه. والقليل يحاول أن يتبنى مشروعا تنمويا لكي يجعل من التحديث حاصله الحاصل. ولكن بعضها يتبنى توجها إشكاليا حتى أن الصورة التي يرسمها لنفسه تبدو سريالية إلى حد بعيد.

فإذا نظرت إلى قطر، فماذا تجد؟

ثمة هلوسة يتم إنتاجها في هذا البلد. هلوسة حقيقية عن كل شيء. ربما تكون تعبيرا عن فوضى ذهنية ناجمة عن تضارب عنيف، ليس بين الفكرة والواقع، بل بين الفكرة والفكرة أيضا.

قطر على سبيل المثال، بلد يقدم دفاعات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات. ولو أنك ذهبت مع هذه الهلوسة لتنظر في واقعها وشروطها ومستلزماتها ومدى تطابقاتها المحتملة هنا أو هناك، فسوف تجد نفسك مضطرا لكي تسأل صاحبك المهووس: “إي، وبعدين”؟

تسأل ذلك، فقط من أجل ألا تدخل في نقاش سفسطائي يبدأ بجان جاك روسو، ولا ينتهي بجون ستيوارت مل أو جيمس ماديسون أو ألكسيس دو توكفيل، لينتهي النقاش بقوله “فبُهت الذي كفر”. وذلك ليس لأنك لا تعرف من هؤلاء- وكاتب هذه السطور لا يعرفهم أيضا- بل لأن شاغلك الآخر هو في الحقيقة أبوالأعلى المودودي!

هنا، عند هذا الأخير، تظهر صورة أخرى، تفسر بعض الأوجه التي تجعل الديمقراطية كلاما للهلوسة. لأن هذا الأخير كان هو الذي دفع قطر إلى أن تذهب لدعم كل الحركات التي تتبنى تصوره عن العالم. هل اكتشفت تضاربا سرياليا؟

هناك في الواقع ما هو أكثر. فلو أنك نظرت إلى قطر، وعرفت أنها في النهاية ما هي (كما هو الحال مع أي بلد، هو في النهاية ما هو)، فلا بد لك أن تسأل نفسك: “شنو القصة”؟ على أي حال، لا تقلق. ذلك لأن دعم جماعات “الإسلام السياسي” لا ينطوي بالضرورة على مشروع فكري. إنه مشروع سياسي ربما. أو “عملياتي”. بمعنى أن وظائفه لا ترتفع إلى ذلك المستوى من الاهتمام العقائدي ولا بالمفاهيم التي ينطلق منها “الإسلامويون” ليرسموا من خلالها صورة لأنفسهم وللعالم.

لا توجد مشاغل نظرية في قطر لكي تتبناها كتوجه. وهذه المشاغل تم تركها للحركات التي تتلقى الدعم، لكي تتفلسف بها مع نفسها، في غرف خاصة، كلٌّ بواقعه الافتراضي. ولو أن هذه الحركات رأت في نفسها شيئا لا يمكن لقطر أن تتمثله ولا أن تشكل نموذجا له، ولا تستطيع أن تتنطع لقيادته، فهذا أمر لا يُقلق قطر!

“طيّب، ليش”؟ قد يكون هذا هو السؤال الذي سوف ينط في وجهك وأنت تنظر في تضارب الألوان في اللوحة. سرياليا، (وسوف يعترض عليك اندريه برتون وسلفادور دالي) فإنه يمكن للاستخدامات السياسية أن تسير في مجرى آخر، بعيدا عن أغراضها النظرية. كما يمكن لهذه الخلطة أن تسفر عن دعم جماعات الإخوان المسلمين بكل فروعها الأيديولوجية ونظائرها على كل الجبهات المذهبية (داعش، والنصرة، والحشد الشعبي، والحرس الثوري، وعصائب أهل الباطل.. الخ). ولكن الاضطراب الذهني، يمكنه
بالمال، أن يتحول بالفعل إلى اضطراب واقعي أيضا.

هل يكون هذا هو الهدف؟ ربما. ولكن انظر فيه انطلاقا من تضارب الأدوات والغايات، وسوف تعجز عن إيجاد جواب لسؤال بسيط جدا: ماذا تريد قطر؟

لا هي طليعة ديمقراطية. ولا هي طليعة إسلامية، ولا هي طليعة تحررية، ولا نموذجها الخاص للسلطة قابل للتصدير. وفي كل الأحوال، فإن التوجه الذي يذهب المال لدعمه لا يستند إلى رؤية يمكن الافتراض إنها هي “الهوية” التي تحاول قطر أن تجسدها.

في حدود الاضطراب الذهني، لن يمكن للهلوسة إلا أن تبدو كمجرد هلوسة. ليس لأنك لا تعرف ماذا تريد، وليس لأنها لا تستطيع أن تمثله، بل لأنها تُنشئ “مُعامل” فوضى، يجعلك أقرب ما تكون في مستشفى مجانين. وبينما يحاول ذلك المُعامل أن يسيطر على كل المعادلات في المنطقة، فإنك سرعان ما سوف تجد نفسك تطلب من مجنون أن يكف عن جنونه.

وإذا شئت قول الحق، فقد نجحت قطر في فرض الهلوسة كعنصر مهم في المعادلة.

أنظر في الحال الذي انتهت إليه الانتفاضة الشعبية ضد نظام الاستبداد في سوريا، وسترى أن مُعامل الفوضى كان هو الذي دفع هذه البلاد إلى أن تقع ضحية تنظيمات إرهابية من ناحية، ونظام استبداد استخدمها لصالح بقائه من ناحية أخرى. أنظر إلى هاوية الانهيار التي وقفت عليها مصر بعد عام من حكم “الإخوان المسلمين” وسترى ما نوع الكارثة التي كنا نقف أمامها.

ثم أنظر إلى ليبيا وتونس، وإلى العراق نفسه. فساعة عجزت الميزانية الإيرانية عن دعم جماعات الإرهاب، تقدمت قطر بهبة لا تقل عن مليار دولار، توزعتها كل فصائل العصابة، بالاشتراك مع هيئة الأركان: الحرس الثوري.

ماذا تريد قطر؟ هل هذا سؤال صعب؟

إنه بالأحرى أصعب سؤال يمكن أن يواجهه أي بلد. فأن تريد شيئا، يحسن على الأقل أن تتمثله، ولا تدعم ما يناقضه. يحسن أيضا أن تخوض نقاشا هادئا فيه لكي تستخرج ما هو ممكن، وما يجدر أن تتخذ منه طريقا، لنفسك قبل الآخرين.

ولكن عندما تتصرف كحامل كيس المال، لكي تغدق به على أجوبة متضادة، فقد تنجح في أن تفرض مُعامل الفوضى على معادلات الآخرين، ولكن هذا لا يمنع من النظر إلى ما تفعله كهلوسة مجانين.

كثرة المال، تصيب البعض بالجنون. فإذا قيل لك، ما قطر؟ قل إنها التي.. تملك من العفاريت ما يكفي لإيذاء الجميع، وإنها الفيل الذي يستطيع أن يطير، وإنها الحاوي الذي ترقص على مزاميره كل الأفاعي.

9