عن ماذا تكتب شاعرة بعد أن ينتهي الجمال والحب

الخميس 2015/02/19

شاركت منذ أيام في أمسية شعرية أقيمت في لندن احتفاء بالشاعر العراقي الكبير صلاح فايق، المقيم منذ عشرين عاما في الفلبين، جمعتني به جلسة صباحية في بهو الفندق الذي نزلنا به ثلاثة أيام متتالية، وفي حوار عفوي، وجدت نفسي أسأله السؤال الذي يؤرقني منذ فترة ولا أجرؤ على طرحه على أحد: عن ماذا تكتب شاعرة بعد أن ينتهي الجمال والحب؟

نظر إليّ مستغربا، ربما لأنه لم يتوقع السؤال، أو لخاطر جال في ذهنه وقال “عن الحياة، عن الجمال من حولنا وفينا، لا يجب قصر الشعر على جمال الجسد والوجه”.

قلت “لكن شاعرات كثيرات يحركهن عامل الجمال والحب، وحين ينتهي هذان العاملان ينطفئن أو ينتحرن، سيلفيا بلاث مثلا، وآن سكستون وغيرهما كثيرات. وأضفت “أخاف على نفسي من مصيرهما”.

لست أدري إن كنت صادقة في هذا الادعاء، لكن المؤكد أن عامل الزمن يؤرقني، وأني بت أتصرف مثل النجمات على نحو ما، حين تنحسر عنهن الأضواء فيعانين من الوحدة والتهميش.

أليس غريبا أن تشعر شاعرة بهذا الشيء؟

فالشعر في النهاية يستوعب كل شيء، ويمتد ليشمل القبح والحزن والوحدة وحتى الموت. والشاعرة ليست نجمة، وليست مطالبة بأن تكون جميلة وجذابة، بل في أحيان كثيرة تستغني الشاعرة عن الجمال والحب بالشعر، وتجد فيه بديلا ومهربا، لكن لسبب غامض ارتبط لديّ الشعر بالحب والجمال. وربما للسبب نفسه لا أبدع إلا وأنا في حالة حب. فهل هناك بالفعل علاقة بين الشعر والجمال لدى المرأة؟

الشاعرة الأميركية آن سكستون، كانت جميلة للحد الذي عملت فيه لفترة عارضة أزياء لإحدى المجلات، وسيلفيا بلاث جمالها جعلها كئيبة ووحيدة، خصوصا بعد خيانة حبيبها لها، هي التي تملك كل شيء. كلتاهما انتحرت في منتصف العمر، عندما بدأ الجمال في الانحسار والحب في التحول إلى شيء آخر. الشعر مخلوق من الجمال، والحب مخلوق من الجمال، وأكاد أجزم أن كل إنجاز متميز وعظيم كان الجمال وراءه بشكل من الأشكال، فهو إما محاكاة له أو محاولة للوصول إليه أو لتجاوزه.

يبقى السؤال الآن، ما هو الجمال؟ وعن أي جمال نتحدث؟ وما هو المقياس؟ وهل الشعر يجمّل المرأة أم المرأة هي التي تجعل الشعر جميلا؟ أيا كانت العلاقة بين الشعر والجمال، فإن وجودهما معا، في علاقة تضادية أو تكاملية ينتج عملا مميزا.

ولا بد أن شاعرتين عظيمتين مثل آن سكستون، أو سيلفيا بلاث، تعرفان ما يتركه الجمال في نفسية الشاعر، ونفسية القصيدة من أثر، وما يفعله الزمن بكل هذا، وفي أحيان كثيرة عندما ينتهي الجمال والحب تنتهي القصيدة، لكنها في أحيان أخرى تبدأ، لأن فقدان الجمال والحب مأساة مؤلمة وتجربة حسية عظيمة تحرك وجدان الشاعرة وتدفعها إلى الكتابة. ربما لا يعاني الرجل أزمة مثل هذه، لكن شعر المرأة مليء بالجمال أو بالعذاب الذي يخلفه حين يولي.

21