عن ماذا يكتب شاعر فلسطيني إذا لم يكتب عن الموت

تتكرر ثيمة الموت في العديد من الأعمال الأدبية، سواء كانت شعرا أو نثرا، وقد حفلت الكثير من القصائد بمعاني الموت وصوره ورمزيته ودلالاته. فهذا الحدث الجلل نراه يتردد في ثنايا الكلمات بأحاسيس مختلفة ومشاعر تبرز قداسته التي تجعل من النفس البشرية تعانق الصفاء لتطلق للروح الخيال، ومنها يستقي المبدع صوته ليقف على ربوة التغني بالآلام وأيضا بالأحلام والخلود، وهذه الحياة العبثية والأقدار المسطرة لمصير الإنسان.
الاثنين 2016/09/19
للموت وجوه متعددة (لوحة للفنان سلفادور دالي)

بينما كنتُ أشرع في قراءة “مختبر الموت” للشّاعر الفلسطينيّ مهيب البرغوثي كانت أفضية تنحفر حارّة في جسدي. ومن خلالها يتسلّل صوت فلاديمير حانكيليفيتش المحرَّق، وهو يهتف في الإذاعة الفرنسيّة “لا يمكننا التّفكير في الموت. نحنُ نفكّرُ حول الموت. إذن، نحن نفكّرُ في الحياة”.

بمُجونه وجنونه وحسّه التّخريبيّ اللّذيذ، لا يغادر الشّاعر انتصاره لشعلة الحياة الزّرقاء، تلك التي تختبئ في قلب صديقه تشارلز بوكوفسكي على شكل طائر” ثمّتَ طائرٌ أزرقُ في قلبي يريد الخروج. لكنّني أُسرِفُ في القسوة عليه. أقول له: ابق هناك، أنا لن أسمح لأيّ شخص بأن يراك”.

ولأنّه مثل صديقه لا يريد أن يكشفه للعالم في نفس الوقت الذي يختضّ فيه المنقار عميقا في القلب، فإنّه يختار أن يواريَهُ شعرا. يكتبُ لا ليعرّيه، وإنّما ليتمكّن من إخفائه دون أن يهلكهُ.

يتحدّث مُهيب البرغوثي في مجموعته، الصادرة عن دار الأهليّة للنّشر، عن الموت بصوت محرّقٍ بالحياة. صوت “كصوت امرأة تموتُ وحيدةً/ لأنّ رهانها على الأحياء قد أحبط تماما” (قصيدة مختبر الموت). يُدين العالمَ وسماسرتَه. ويحاول أن يحوّل الشّعر إلى مطرقة تسحقهما معا. ذلك العالم الموسوم للعشرات من المرّات داخل المجموعة بـ”الرّديء”، “السّافل”، “الأدرد، مفقوء العينين”، و”المتساقط”، “الهالك”. “عالم تتساقط إنسانيّته كأسنان الجبل”. “إنّه يُسمّى المرض/إنّه العالم” (قصيدة نكتب كما نخون).

في مقولة العالم

في كتابه “لم ليس العالمُ موجودا؟، يحاولُ الفيلسوف الألمانيّ ماركوس غابريال أن يستدلّ على عدم وجود العالم. بل يذهبُ إلى القول إنّ أحاديّ القرن باعتباره كائنا خرافيّا أسطوريّا يمكن أن يكون موجودا بينما ليس للعالم أن يكون كذلك. ما نريد إيضاحه هنا، هو أنّ العالم مقولة ميتافيزيقيّة، سَمِيَّةُ الكلّ والمطلق، استحدثها أهل الميتافيزيقا في سياق تأسيسهم لنظريّة العالم في ذاته والعالم كما يبدو لنا ومحاولة رسم خُطاطة: العالم له هدف محدّد من وراء وجوده. لكنّه -وليغفر لنا الميتافيزيقيّون كلامنا هذا- ليس موجودا. إنّه متصوَّر مجرّد نظريّ يفيد مجموع الأشياء والأجزاء. إنّه هذا الشّيء الرّحب الممتدّ الذي نقيم فيه، والذي نُسقِط عليه تمثّلاتنا البعيدة.

الشاعر يدين سقوط إنسانية الإنسان خارج المختبر يحاول أن يصفعه حتى يستفيق بكل العبارات الممكنة

الشّاعرُ في هذه المجموعة التي ظلّت تشير باطّراد واضح إلى العالم، ينفي عن هذا الذي لا أيْس له، أيَّ هدف سوى صناعة الموت. إنّه “مختبر الموت” بعد أن كان في نظر النّاس وعاء كبيرا للحياة. ففي المختبر يتمّ الاجتهاد واستحداث سبل تحقيق الهدف حتّى يكون حدوثه أكثر تماما ونجاعة. هو موت مادّي بمعناه الأوّل، موت الأطفال والنّساء في الحروب القريبة والبعيدة من دون منطق أو سبب أو منتصر.

يقول “الحربُ/ تصنعُ منّا ألعابا/ منفوخة بالهواء/ بطلٌ وقائدٌ من يجيدُ/ نفْخَنا في أسرع وقت” (قصيدة الحرب).

وهو موت رمزيّ كذلك من خلال موت الإيتيقا وليس الأخلاق الزّائفة وموت الجميل والبريء والحيّ.

إن كان العالم ليس موجودا. فمن يجتهدُ في تصنيع الموت في هذا المختبر الكبير إذنْ؟

إنّه الإنسانُ الذي يدينهُ مُهيب في هذه المجموعة. يدينُ سقوط إنسانيّته خارج المختبر. يحاول أن يصفعه حتّى يستفيق بكلّ العبارات الممكنة: يشتمه. يحذّره من الهوّة التي ترسمها الدّماء تحت قدميه. يحدّثه عن إنسان قليل ظلّ يبرقُ في القصيدة.

وجوه بلاستيكية

يعلن الشاعر مهيب البرغوثي صراحة “لا أحبّ الأرواح التي ينبتُ فيها البلاستيك” (قصيدة أقدام باردة وعارية تحت النّجوم)، يردّد ذلك للحرّيّة قائلا “الوجوهُ البلاستيكيّة/ التي تلمع تحت الشّمس/ لا تعرفُ أن تقول لك/ صباح الخير” (قصيدة الحريّة). الأرواح والوجوه تلك تتّفق في نمطيّتها واعتمالها الطّويل في مختبر الموت. باهتة تخفت فيها شعلة المجون والجنون. وتستندُ إلى المعيار والأنموذج. أحسب أنّ هذين الكلمتين كفيلتان بإثارة سخط الشّاعر. هو لا يكتفي بأن ينطح هذه النّماذج والمعايير التي تؤسّس للعاديّة والبلادة والتّكلّس. وإنّما يطاردها حتّى ولو مخفيّة فيما يُنتظرُ منه أن يكون خارقا للعاديّ متأجّجا وماجنا أو مجنونا، لا تفارقه في ذلك نبرة السّخرية اللّذيذة:

شعر يصور عالما تتساقط إنسانيته كأسنان الجبل

“أصبح مملاّ وضع المثقّفين الذين يفهمون/ من صناعة الحذاء حتّى طريقة تركيب/ الماء السّاخن/ لكن قد أضطرّ أن أراهم كلّ صباح/ لا لشيء، لا لشيء/ فقط لأنّهم كذّابون ومدّعون/ وعاديّون جدّا، وبلاستيكيّون وجبناء جدّا/ وأحبّهم لأنّهم يدفعون/ ثمن قهوتي” (قصيدة وجع الماء).

لهذا السّبب ربّما يرغب الشّاعر عنهم بعد احتساء قهوته ليكتبَ في مناخات تحفّزها في نفسه عوالم رامبو وفرلين وفرجينيا وولف وسلفيا بلاث ودرويش وآخرون إن لم يكن حضورهم في نصوصه على وجه التّصريح مثلما هو الأمر في ما يتعلّق بالأسماء السّالفة فإنّها تحضر بأثرها المبثوث في كتابة مهيبة لشيطنتهم.

الكتابةُ فعل ملتحم بالحياة. هكذا يراها مهيب البرغوثي وهكذا تتشكّل في “مختبر الموت”. تحتاج إلى ساحر عظيم حتّى يرسم خطّا فاصلا بينهما. ومع ذلك لا يتوقّف الشّاعر عن محوه بمخالبه الطّويلة وأنيابه ولهاثه وعويله ونباحه. يجد في بريّته الحارقة تلك عزاء في بيوت أصحابه وإخوته المشيّدة من الكلمات.

إنّه ينادي على رامبو في نصّ معنون باسمه “يا توأمي في اللّعنة” ويقول له كسرا لكلّ مطلق منمّق “رامبو/ مازال مركبك ثملا/ وفرلين على الشّاطئ/ تلك العينان تبحثان عن اللّعنة/ يا طفلي الخبيث/ الشّعر وسيلتنا لتدمير تلك الفضيلة”.

14