عن محفزات ومشكلات المصالحة الفتحاوية ــ الحمساوية

الاثنين 2017/09/25

ربما من المبكّر التكهّن بإمكان نجاح أو عدم نجاح، الاتفاق الفلسطيني – الفلسطيني، أو الفتحاوي – الحمساوي، الخاص بإنهاء انقسام كيان السلطة، بين الضفة وغزة، واستعادة وحدة النظام السياسي، على كافة الأصعدة، أي بما يشمل منظمة التحرير، وذلك على ضوء انهيار الاتفاقات السابقة، من اتفاق مكة في العام 2007، إلى اتفاقات صنعاء والدوحة والقاهرة، التي شهدناها واختبرناها منذ صعود حركة حماس كمنافس لسلطة فتح في الساحة الفلسطينية، لا سيما بعد الانتفاضة الثـانية ورحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عـرفات (2004)، وبعد فوزها في الانتخابات التشريعية (2006)، وسيطرتها الأحادية على قطاع غزة (2007).

طوال عقد كامل تصرفت حماس كقيادة بديلة للفلسطينيين، وأنها الأحق بقيادة المنظمة والسلطة، خاصة مع اعتقادها أن أطروحتها هذه اكتسبت بعدا شرعيا بعد فوزها في الانتخابات عام 2006. ومعلوم أن هذه الطموحات تغذت من التداعيات التي نجمت عن ثورات الربيع العربي في بداياتها، المتمثلة بصعود تيارات الإسلام السياسي، في مصر وتونس وسوريا، وذلك بغض النظر عن تقييم ذلك، وبغض النظر عما رأينا في أداء القيادة الفلسطينية السائدة (أي قيادة المنظمة والسلطة وفتح)، بسلبياتها وإيجابياتها.

واضح أن هذا الاتفاق يأتي اليوم بضغط مجموعة من العوامل المختلفة على طرفيها.

أولا، ثمة الضائقة الكبيرة التي أضحت تعانيها حماس في إدارتها لقطاع غزة المحاصر، خاصة بعد تآكل موارد الدعم الخارجي، أو تجارة الأنفاق. فمن الواضح أن الأولى باتت مهددة خاصة بعد الأزمة الخليجية ومقاطعة قطر من بعض الدول العربية، وأن الثانية انتهت بنتيجة هدم الأنفاق، وتشدد السلطات المصرية في التعامل مع سلطة حماس.

ثانيا، واضح أن كل المراهنات على صعود تيارات الإسلام السياسي في المنطقة آلت إلى الفشل، سواء نتيجة الرفض الدولي والإقليمي، أو نتيجة ممانعة البيئات الشعبية، أو بحكم ضعف أهلية تلك التيارات أو ضيق أفقها، وخاصة عدم تمييزها بين كونها حزبا لفئة معينة، وحزبا دينيا، وبين تمثلها لحاجات وتطلعات كل فئات الشعب والتصرف بعقلية وطنية.

ثالثا، لم تستطع حماس في سلطتها في قطاع غزة أن تقدم نموذجا بديلا أو أفضل من نموذج سلطة فتح في الضفة، ناهيك أنها لم تستطع أن تحدد ما تريده من القطاع، هل هو قاعدة للتحرير؟ وهل يتحمل القطاع وحده، وهو محاصر، عبء تحرير فلسطين أو حتى عبء تحرير الضفة أو عبء مقاومة إسرائيل بالصواريخ أو غيرها أم أن القطاع هو بمثابة منطقة جرى تحريرها ويفترض أن تكون نموذجا لدولة فلسطينية قادمة، بحيث تتميز بالاستقرار والأمان ومستوى التعليم والنشاط الاقتصادي للتعبير عن الفلسطينيين فيها؟

رابعا واضح أن القيادة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس، وصلت إلى أفق مسدود بخصوص حل الدولتين، لا سيما مع شراسة الاستيطان في الضفة والقدس، ومصادرة الأراضي خلف الجدار الفاصل، ومع جمـود عملية التسوية وفـرض الاحتـلال، مع التبعية الاقتصادية والتنسيق الأمني كأمر واقع، ما يفرض خلق وقائع جديدة.

خامسا، لا شك أن وضع مصر ثقلها وراء الاتفاق عزز من الضغوط على الحركتين المعنيتين، كما من المكاسب لهما، ما جعلهما تجدان فيه فرصة للنزول عن السلم والتوقيع عليه.

القصد من كل ذلك أن الطرفين، أي قيادتي فتح وحماس، بحاجة إلى هكذا اتفاق، لكن التجربة بينت أن هذا لا يكفي، لا سيما مع علمنا أن الاتفـاق ما كـان ليحصل لولا الضغط المصري، وضغط الظروف المحيطة، أي أنه لم يحصل نتيجة وعي الطرفين بمخاطر الانقسام، ولا إدراكهما أنه يمكن العمل معا مع الاختلاف، إذ السياسة لا تفترض التطابق. فوق ذلك ثمة مشكلة في أن لكل واحد من الطرفين مخاوفه من الثاني، وأيضا اشتراطاته ومطالباته وادعاءاته، وضمنها أن كل واحد منهما لا يثق بالآخر، وأن كل واحد منهما يعتقد أن خياره السياسي هو الأصح، وأنه الأجدر بقيادة الشعب الفلسطيني.

على ذلك ستبقى ثمة ملفات عالقة، لعل أهمها؛ أولا، ملف السلاح في غزة، والحديث هنا لا يتعلق بسلاح المقاومة فقط، أو المفاضلة بين اعتماد خيار المقاومة أو المفاوضة فحسب، إذ أن الأمر ليس بهذه البساطة، لتشابك الصلة بين سلاح المقاومة وسلاح الأجهزة الأمنية في قطاع غزة. لذا فإن السؤال عن الأجهزة الأمنية، من قبل السلطة في رام الله، سيبقى واحداً من أهم المواضيع التي يفترض التوافق عليها للمضي في المصالحة.

ثانيا، تأتي بعد ذلك المسألة المتعلقة بملف الموظفين الذين عينتهم سلطة حماس بعد الانقسام، وبعد سيطرتها على غزة، والحديث هنا يتعلق بحوالي 40 ألف موظف، فماذا بشأنهم وكيف سيتم تذليل هذه العقبة أو إيجاد حل لها؟ ثالثا، إن حل اللجنة الإدارية التي شكلتها حماس في غزة لا يكفي إذ أن السلطة ستطالب بالإشراف على كل شؤون قطاع غزة، ووضع كل الأجهزة، كما المعابر، تحت سلطة حكومة التوافق الوطني، فهل ستنفذ حماس ذلك حقا؟ رابعا، تطالب حماس بإعادة بناء منظمة التحرير، وإعطائها حصة تتناسب مع مكانتها في الساحة الفلسطينية، فهل ستقبل فتح بذلك؟ ثم هل سيتم التوافق حقا على إجراء تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في الضفة وغزة؟

أخيرا، ومع أهمية التوافق بين فتح وحماس واستعادة الوحدة للكيان الفلسطيني إلا أن ما يجدر إدراكه أن أزمة العمل الوطني الفلسطيني هي أشمل وأعمق وأعقد من ذلك، لأنها ناجمة عن تقادم واستهلاك البنى الوطنية، وتآكل شرعيتها ومكانتها في مجتمعات الفلسطينيين، وتراجع دورها في الكفاح ضد عدوها، وضياع مشروعها الوطني، بعد تحولها من حركة تحرر إلى سلطة. باختصار فإن ما جرى جيد لكنه لا يكفي، إذ أن استنهاض الشعب الفلسطيني وإخراج العمل الوطني من أزمته يتطلبان أكثر من ذلك من فتح ومن حماس.

كاتب سياسي فلسطيني

8