عن مدينة 44

الخميس 2014/08/28

كثيرا ما أسافر إلى جنوب المغرب، لا سيما المناطق الأمازيغية، حيث أستعيد بعض السّكينة الرّوحية. هدوء الناس قد يوحي للوهلة الأولى بأنّهم محافظون، لكن إذا صحّ قول غاستون باشلار بأنّ الانطباع الأولي خطأ أوّل، فهذا أصدق ما يكون على أهل جنوب المغرب: اللباس تقليدي، الأغاني تقليدية، الرّقص تقليدي، لكنّ الناس مبدعون في صناعة الفرح الإنساني بكل المقاييس. مهارة تفتقدها مناطق أخرى يغلب على أهلها المزاج الحاد. لذلك ليس سرّا أن تنتشر في بعض مناطق شمال المغرب مظاهر العنف الاجتماعي والتطرّف الديني والهجرة لغاية الجهاد، وكل هذا بالموازاة مع المظهر العام الذي يوحي بنوع من التمدّن.

هذه المرّة سافرتُ إلى مدينة صغيرة يسميها أهلها بأربعة وأربعين تتألف من أقلية عربية وسط محيط أمازيغي، لذلك يغلب عليها الطابع الأمازيغي. على مسافة من المدينة ومحاذاة مع بعض القبائل الأمازيغية أنشأ أحد المستثمرين منتجعا جميلا تجتمع فيه العائلات والأسر من أصول عربية وأمازيغية وصحراوية على حد سواء، يقيم فيه سهرة غنائية راقصة في نهاية كل أسبوع، بحيث تلتقي عشرات الأسر والعائلات في جو جميل وحميمي، يرقص البعض، يتمايل البعض، ويطرب الجميع، رجالا ونساء.

عندما يحين موعد الصلاة، يتوقف الحفل، فيذهب المصلون إلى قاعة الصلاة، وينتظر الآخرون. وما أن تنقضي الصلاة حتى تنهض

الأجساد في شعور غامر بالتوازن الوجداني، فتنطلق آلات العزف والطرب مجددا وتعم البهجة أرجاء المكان.

في مناطق جنوب المغرب لم أسمع قط أنّ مطربا اعتزل الفنّ لأنّه “تاب إلى الله” ! كما يحدث في مناطق أخرى. هنا لا أحد من صناع الفرح الإنساني يشعر بالذنب. بل خلاف ذلك يغلب الظنّ بأنّ إدخال البهجة والسرور إلى قلوب الناس هو من صميم الأعمال التي يرضى عنها الله. وهذا ما لاحظته من خلال حديثي مع صاحب المنتجع والذي لا تفوته أوقات الصلاة، لكنه يشعر بحسه السليم بأنّ صناعة الفرح ثمنها قليل في الدنيا وأجرها عظيم في الآخرة.

هنا وما أدراك ما هنا، الرّقص تقليدي، والغناء تقليدي، والزواج تقليدي، ومواسم الفرجة والفرح تقليدية، لكنها بسبب ذلك راسخة في كيان ووجدان الإنسان، قد لا تهزمها كل بلاغات التحريم والتكفير.

أفلا تكون الثقافة التقليدية نفسها هي السدّ المنيع ضدّ نزعة تحريم الغناء وتجريم الرّقص وتأثيم الاختلاط؟ إنّه درس أولفييه روا أيضا والذي يؤكد أنّ الأصوليات الجديدة ليست ثمرة الثقافات التقليدية، لكنها عكس ذلك محصلة الاجتثاث غير المحسوب للثقافات التقليدية. وربّما هذا ما يفسر أنّ الظاهرة الأصولية تنمو في الغالب داخل أحياء الصفيح وضواحي المدن؟

24