عن معركة يبرود وصناعة الأكاذيب

الخميس 2014/03/20

صناعة الأكاذيب ليست حكرا على أحد، بل لعلها السمة الرئيسة للخطاب المرافق لجميع الحروب التي خاضها ويخوضها البشر، على أن صناعة الأكاذيب على يد الماكينة الإعلامية للنظام وحلفائه لا تقتصر على تضليل الخصوم وتعبئة الأنصار فحسب، بل إنها تتميز بتكرار اختلاق معارك وهمية حينا، واختلاق قيمة وهمية لمعارك بعينها أحيانا أخرى.

إنها الأكاذيب المكررة نفسها عن معارك حاسمة، مضافا إليها هذه المرة وهم السيطرة على القلمون لحماية “المقاومة” في لبنان وحليفها نظام الأسد، وتكرار الحديث الفارغ عن يبرود بوصفها آخر معاقل الثوار في القلمون، والتي سيحمي لبنان السيطرة عليها من سيارات الإرهابيين المفخخة، وستحمي “الشيعة” من خطر “السنة” وفق الخطاب الطائفي “المضمر” إلى حد الفضيحة في وسائل إعلام حزب الله وحلفائه.

لاشك أنه ليس ثمة جدوى من العمل على تفكيك الخطاب الطائفي لحزب الله، هذا الخطاب المليء بمغالطات شديدة أبرزها اعتبار الحسم في يبرود، استكمالا للمعركة مع “اليهود” وفق واحد من أناشيد حزب الله الذي ذاع مؤخرا. فلندع الطائفية جانبا، ولنتحدث عن حقيقة الحسم المزعوم في يبرود، وعن غايات حزب الله من تصوير هذه المعركة بوصفها “أم المعارك” الحاسمة.

يعلم حزب الله أن يبرود ليست آخر معاقل الثوار في القلمون وإن كانت المعقل الأبرز، وأن المعركة لن تمكنه من السيطرة على جبال القلمون، تلك الجبال الوعرة التي لا يعرفها أحد بقدر ما يعرفها أهلها. ولا شك أن قيادة الحزب تتذكر معركة القصير التي لم تغير كثيرا على المستوى الاستراتيجي رغم كل العاصفة التي أثيرت حولها، وتتذكر كيف استعادت قوات المعارضة خلال الـ48 ساعة مناطق كلّفت حزب الله والحرس الجمهوري السوري نصف عام من المعارك للسيطرة عليها على جبهة العتيبة بالغوطة الشرقية.

إذا كان جمهور حزب الله في لبنان يصدق، أو يريد أن يصدق أن سيارات الإرهاب المفخخة التي قتلت المدنيين في لبنان تم تجهيزها في يبرود، فإن قيادة حزب الله تعرف أن هذا الكلام فاقد لأي معنى، ذلك أنه وبافتراض صحته فإن تفخيخ السيارات لن يتوقف بالسيطرة على يبرود، لأن ثمة حدودا وعرة ومتداخلة فيها عشرات القرى والمزارع والجرود التي تعج بمسلحي المعارضة، أو بالمسلحين التكفيريين على حد زعم حزب الله وحلفائه. كما أن تفخيخ السيارات أصلا لا يتطلب معقلا كبيرا بحجم يبرود، لعله يتطلب فقط بعض الحاقدين على حزب الله وأنصاره، هؤلاء الذين يتزايد عددهم داخل لبنان قبل سوريا، وسيستمر في التزايد كلما تزايد تورط الحزب في الصراع الدائر في سوريا.

بالغ حزب الله في تصوير معركة يبرود على أنها معركة لحماية “شيعة” لبنان من مفخخات “سنة” سورية، هذا هو شعار المعركة الرئيس فضلا عن الشعارات المعروفة حول المقاومة والتصدي للمؤامرة، وبالغ في تضخيم معركة لن تغلق باب المفخخات التي تستهدف معاقله في لبنان حتى في حال حسمه لها، بل لعله ليس من المبالغة القول، إن المفخّخات يمكن أن تتزايد طردا مع تقدم قواته في الأرض السورية.

لن تحسم السيطرة على يبرود أي شيء في الحرب الدائرة في سوريا لجهة تدعيم وضع حزب الله في لبنان، أو لجهة حماية خاصرته “القلمونية”، كما أنها لن تكون حاسمة في حرب النظام السوري على مناوئيه، باستثناء رفع معنويات أنصار النظام السوري وإضعاف معنويات الثوار.

على أن هذه النتائج تبقى نتائج مؤقتة في السياق العام للمعركة المتعلق بصمود الثوار السوريين والعمل في الوقت نفسه على تغيير المعادلات الدولية لصالح الثورة، وهو سياق تتأثر مآلاته بنتائج معارك جزئية كهذه، المآلات التي لن يكون من بينها انتصار النظام السوري، وإن كان قد يكون من بينها تسويات تحرم الثوار السوريين من ثمار ثورتهم.

حرمان الثوار السوريين من حصاد ثمار ثورتهم، هو ما يسعى إليه النظام السوري وحليفه حزب الله، أما معركة يبرود فلم تكن سوى فصل من فصول كفاح الثوار السوريين للدفاع عن حقهم في حياة أفضل، ولا يعني التقليل من شأن الحسم في يبرود أنها معركة غير مهمة في سياق الثورة السورية، ذلك أن كل يوم من أيام الصمود ستعني الكثير على الصعيد التكتيكي والمعنوي، وكل دبابة تم تدميرها على تخوم يبرود ستذكر حزب الله بما يستطيع أصحاب الأرض فعله عندما تُغزى ديارهم، لعله نسي ما فعله اللبنانيون، بدبابات إسرائيل في وادي الحجير عام 2006.


كاتب سوري

9