عن هروب نهر من مدينة

الأحد 2015/04/12

أزور مرةً في الشهر، وفي أعماق الليل، نهراً يختفي منذ أشهر في أحد الوديان التي لا يعرفها غيري. قضيتُ عدة أيام في معتقل لاتهامي بأني أقنعتُ نهراً ليهربَ من مدينة. أنكرتُ التهمة، حين واجهني مدير سجنٍ كنتُ في إحدى زنزاناته لأني صفعتُ سائحاً كان يحاولُ خطف فراشة كبيرة لم تكن قد تعرضت بأيّ سوء إلى أحد، تطيرُ وتتطلعُ إلى لوحاتٍ جميلة، طبيعية وشخصية.غير أن جشع السائح تجاوز كل ما هو لائقٌ، شعرتُ أنه يهينُ أعراف هذا البلد وتقاليده وكل ما له صلة بالإنساني.

في ما بعد، فهمتُ أن تقريراً رُفع، من أحد الحراس الليليين، مدعياً أنه رآني أتحاورُ مع النهر وأقنعهُ بضرورة هربه من المدينة، وإلا فإنه سيجدُ نفسهُ في حالةٍ خطرة، وربما حتى مخنوقاً بأزبالٍ ترميها إلى أمواجهِ شركاتٌ وبيوتٌ وجامعات، إلى جانب سجونٍ ومستشفيات. وهذا ما حدث: استيقظت المدينة ذات صباح باكرٍ ووجدتْ وسطها بلا نهر.

لم يستطع أحدٌ إثبات تلك التهمة عليّ لأني تصرفتُ بذكاء: أخبرتُ مدير السجن بأني لا أعرفُ لغة النهر وإلا فإن عليه أن يشخّص بأيّ لغةٍ تحاورنا، أنا والنهر، في تلك الليلة.

كان مدير السجن قد هددني بأن الحكومة سترسلُ هليكوبتراتٍ لإرغام النهر على العودةِ وأنهُ سوف يُجري تحقيقاً معه حول تورطي في إقناعه بالهرب، فإذا ظهرت أيّ معلومة، من التحقيق، تؤكد ذلك، فإنه سيقيم دعوى قضائية ضدي. بعد محاولاتٍ مكلفة، فشل المسؤولون في إرغام النهر كما أرادوا.

وهكذا قرروا إرسال وفدٍ للتفاوضِ مع النهر، وأن يعرض النهر شروطه ومطالبه كي يتوصلوا إلى حلّ لهذه المعضلة التي تعانيها المدينة. اليوم، مساءً، تسللتُ إلى ضاحيةٍ ومن هناك لزيارة صديقي النهر. ما إن وجدتُ نفسي خارج المدينة، حتى صادفتُ ملعباً لكرة القدم ولم يكن هناك زحامٌ، أو حشد مشجعين. اندهشتُ حين تيقنتُ أن اللاعبين، من الفريقين، كانوا عمياناً، وكذا حكم المباراة.

سأسرد هذا لصديقي النهر وسيمتعه ذلك.

معلمة تلملم عقارب تتشمس

المهاجرُ شخصٌ غريبٌ

لو نظرتَ إليهِ من سطح القمر،

أو لَحَظتهُ يخرجُ من مخبئهِ في صحراء.

محبوبٌ في المدينة إن أنكر أصلهُ،

ضيفي إذا لم ينكر.

***

أرى مخيماتٍ عند الحدودِ، تتوسعُ بلا توقف

حشود مهاجرين وهاربين.

أنا هناك لأني أبيعُ عملاتٍ أجنبية

إلى رحّالةٍ يجلبهم حوذيون من أقاربي.

***

كل ما أحتاجهُ الآن فراشٌ دافئ

قضيتُ يومي أجمعُ مفاتيحَ مبعثرة

سقطتْ، ليلة أمس، من مجرةٍ قريبة

ساعدني كلبي بلسانهِ الطويل.

***

أنت تحيا لأنك تتذكر، لا تنسْ هذا

ينقصكَ تدريب مخيالكَ ببكتيريا من ذهب:

تتسلقَ برجاً، تنظر من نافذتها إلى تماثيل تهرولُ

في حديقة، وهناك معلّمةٌ تلملمُ عقارب تتشمّسْ.

***

أفقٌ متوهجٌ والشتاءُ ليس بعيداً

نذرتُ نفسي لملاحقةِ غزاةِ هذه الأرض

أفقٌ متوهجٌ والشتاءُ ليس بعيداً

لأتذكرَ هذا الوعد: شمسٌ ترسلُ بعض أشعتها

إلى غرفتي كإيحاءٍ من حليفٍ دائم.

***

يتوجبُ تمشيط وديان هذا الرأس

مترا بعد مترٍ، لنعثر على الإنسان الذي كانَ

سعيداً بين أشجارٍ ميتة وسلالاتِ بكتيريا

في الجحورِ العاليةِ والأفقُ مأواه.

***

تمكنتَ من النجاةِ بين نسورٍ كبيرة

تعلمتَ من البراري، من طيرِ كسّار البندق في الجبال

أن تخزّنَ الكثيرَ من اللحاءِ، فحياتكَ قاسية

تنتزعُ وقتاً من كل شيء، ولكن إلى متى؟

شاعر من العراق مقيم في الفلبين

15