عن والدي والمسجد

الخميس 2014/06/12

كان والدي أطال الله عمره يكره الازدحام، كان يكره التصاق الأجساد بالأجساد، كان يكره أن يمازحه أحدهم فيشدّه أو يسحبه بقوّة على طريقة أهل البداوة، كان يكره أن يضع أحدهم يده على إحدى كتفيه بلا سبب، كان يفضل أن تحافظ الأجساد على مسافة من بعضها البعض، ويعتبر هذا حقا طبيعيا لكل إنسان. وربّما لهذا السبب كان يكره العلب الليلية كما كان يكره علب السردين أيضا!

وكانت آخر مرّة يدخل فيها المسجد لأجل الصّلاة هي اليوم الذي صادف الجمعة الأولى من رمضان مضى عليه نحو خمس سنوات تقريبا.

ماذا جرى في ذلك اليوم؟

لم يكد الإمام يطلب من المصلين تسوية الصفوف حتى نهض الشخص الذي على يمينه ليفرج بين رجليه ويضيق برجله اليسرى على والدي، ونهض الذي على يَساره ليفعل نفس الشيء.

فاضطر أبي إلى سحب رجليه بهدوء طلباً للتّخفيف من حدّة الضّيق وشدّة الالتصاق. لكنهما أعادا الكرّة معاً وبإصرار. فما كان من والدي إلاّ أن عاد إلى سحب رجليه مرّة ثانيــة مبدياً نوعاً من الانزعاج.

فتطوّع أحدهما ليشرح لوالدي ما غاب عنه من غرائب الدين وعجائب الأمور، موضحاً أنّ الشيطان لعنة الله عليه يتسلل بين صفوف المصلين، ولذلك لا يجب أن نترك له فجوات للعبور ولا فرجات للمرور!

وهنا احتجّ عليهما والدي صارخا: هذا المسجد الذي يدخله الشيطان سأتركه لكم.

ثم انصرف والدي. وكان هذا آخر عهده بالمسجد.

24