عن وفاة فيديل كاسترو وآراء اليسار

الاثنين 2016/12/05

بادئ ذي بدء، باد للعيان وجود انقسام حاد بين اليساريين في أوطاننا المغاربية والشرق أوسطية حول الموقف من وفاة الزّعيم الكوبي الرّاحل فيديل كاسترو. هل يكون الموقف المناسب هو التعبير عن الارتياح، أو في الحد الأدنى التزام الصمت، طالما يتعلق الأمر بدكتاتور حكم الجزيرة الكوبية بقبضة فولاذية، ولم يترك لغالبية الشباب الكوبي أكثر من حلم واحد وبعيد المنال، حلم الهجرة إلى “أرض الأحلام”، وهو ما أحدث ضررا يقيم التحرر نفسها، أم أن الموقف اليساري السليم في هذه اللحظات هو التعبير عن الحزن لفراق الرفيق التاريخي لإرنستو تشي غيفارا، واختفاء آخر رموز المقاومة العالمثالثية للإمبريالية الأميركية؟

على أننا نود التنويه إلى أنّ ذلك الانقسام ليس خصوصيّة محليّة مرتبطة بأمزجتنا النفسية، وهواجسنا السياسية، ومكبوتاتنا الثقافية، كما ظنّ البعض وافترض الكثيرون، بل هو امتداد للانقسام الأممي الذي يشقّ صفوف اليسار العالمي، ويوزعه إلى قسمين متباعدين متعارضين: يسار يمنح الأولوية المطلقة لمناهضة الإمبريالية العالمية، فيضطر أحيانا إلى السكوت عن جرائم الأنظمة الستالينية، وحتى الأصولية (مثلما هو حال اليسار الداعم لإيران وحزب الله)، وذلك بدعوى الحاجة إلى مناهضة الإمبريالية الأميركية أوّلا، والتي هي “الشر المطلق” من وجهة نظر هذا اليسار، أو “الشيطان الأكبر” بلغة الخميني؛ ومن جهة أخرى، هناك يسار مناهض للمنظومات الشمولية، إذ يمنح الأولوية القصوى لمعارك الحريات الفردية وحقوق الإنسان وقضايا المرأة وحقوق الأقليات وحرية الإعلام ودعم المجتمع المدني، وتفعيل النقاش العمومي. ومن ثمة ندرك كيف ساهم هذا النوع اليساري إلى حد بعيد في تطوير منظومة الحداثة الغربية بنحو نقدي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، رغم أنه ترك مع مطلع القرن الواحد والعشرين أسئلة فكرية مفتوحة، تخص مضامين حقوق الأقليات وحدود النسبية وغيرها.

أما الرّأي الإجمالي الذي أتقاسمه مع الكثيرين فسأحاول بسطه على النحو التالي:

تتجلى إحدى أشهر الخرافات السياسية، وأشدها ضررا بنهضة الشعوب وانعتاقها، في الادعاء بأن تفعيل آليات المقاومة قد يتطلب التضحية أحيانا أو دائما، ببعض متطلبات الحداثة السياسية (حقوق الفرد، حرية المرأة، التعددية السياسية، حرية التعبير، التداول السلمي للسلطة). وعلى سبيل المثال، لا يمكننا أن نطالب منظمة التحرير الفلسطينية بالديمقراطية طالما لا صوت يعلو على صوت المعركة، ولا يمكننا أن نطالب حماس باحترام الحريات الفردية وحقوق المرأة طالما الأولوية لمقاومة الاحتلال، كما لا يمكننا أن نطالب النظام السوري بالتداول السلمي على السلطة طالما أنه منهمك بنحو استراتيجي في خيار الممانعة، وهكذا دواليك، أو هكذا يزعمون! غير أن التجارب أكدت أن تعطيل الحريات والكرامة والعدالة يعود بالضرر على الشعوب، ويحول قضايا التحرير والمقاومة إلى مجرد أدوات لإعادة إنتاج القطيع، سواء بدعوى وحدة الصف أو المشروعية الثورية أو راية الإسلام (الراية بمعنى اللواء)، أو الزعيم الأوحد.

لا يمكننا مواجهة الإمبريالية بواسطة نظم شمولية؛ فإن هذا المسعى لم ينجح في عهد الاتحاد السوفياتي البائد، لم ينجح في عهد أوروبا الشرقية البائدة، لم ينجح في عهد المنظومات الفاشية التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية وبادت بدورها، وليس من الذكاء الاعتقاد بأن إعادة المحاولة بنفس الوسائل ستغير من النتيجة شيئا.

من الواضح أننا لا نستطيع مواجهة الاحتلال الخارجي عن طريق الاستبداد الداخلي، مهما أطلقنا على هذا الاستبداد من أسماء مغرية: المقاومة، الممانعة، الثورة، بلغة بليغة لا يمكننا مواجهة الغزاة بالطغاة. وبالأحرى، ليس بالإمكان إنجاز مهام تحرير المجتمعات والأوطان في غياب الحريات الفردية؛ فليس التحرير مهمة ينجزها العبيد، بل التحرير مهمة الأحرار بالأساس. هنا يكمن الدرس المنسي لمعظم حركات التحرر في دول الجنوب. وحدهم الأحرار من يحررون، أما العبيد فإنهم يكتفون باستبدال طغاتهم القدامى بطغاة جدد.

نحتاج إلى تطوير المشروع الحداثي في الأفق العالمي نحو الأفضل، طالما “لكل شيء إذا ما تم نقصان”، وطالما الحداثة مشروع لا يزال مفتوحا لم يكتمل بعد، غير أننا لا نستطيع أن نساهم في تطوير شيء ننكره ونتنكّر له بالأساس. لذلك نحتاج إلى تغيير اليسار من أجل يسار قادر على التغيير.

كاتب مغربي

9