عهد من الاضطراب المؤكد

الثلاثاء 2014/09/30

على مدى الجزء الأكبر من الحرب الباردة كان النموذج الاستراتيجي والأمني الأكبر بين الشرق والغرب يعرف على أنه عهد “التدمير المتبادل المؤكد”. وتعني هذه العبارة أن كلا الجانبين يستطيع التيقن من التدمير والهزيمة الكاملين تقريبا للطرف الآخر في حرب نووية أو نووية حرارية. واليوم بالرغم من وجود أسلحة الدمار الشامل انتهى عهد التدمير المتبادل الكامل. مع ذلك تبقى هناك الآن حاجة إلى عقلية استراتيجية جديدة.

أحد الأسباب يتمثل في انهيار الاتحاد السوفيتي، والسبب الثاني الذي لا يقل أهمية هو تآكل النظام الويستفالي للسياسة المتمركزة في الدولة. فعبر مزيج من انتشار كل أشكال القوة والعولمة اكتسب الأفراد والمجموعات الصغيرة قدرة متزايدة على فرض تغيير تكتوني على المجتمع، ونظرا إلى ترابط العالم بعضه ببعض حلت الاضطرابات محل التدمير الشامل للمجتمع في كونها خطرا كبيرا يتهدد الأمن العالمي. وهذه المظاهر مع الأسف لم تصبح إلى الآن صريحة في تفكيرنا أو عقليتنا الاستراتيجيين بالرغم من وضوحها.

بدأ الاهتمام المركز بهذه العهد المضطرب الجديد عند انهيار البرج الأول من برجي مركز التجارة العالمي في نيورك في ذلك الصباح المأساوي من شهر سبتمبر 2011. وبالرغم من التدمير المادي للبرجين ووفاة قرابة ألفي شخص كان الاضطراب الذي أتى لاحقا نذيرا بهذا العهد الجديد. ومن مخبئه في أفغانستان ربما لم يكن لأسامة بن لادن أي فكرة عما أحدثه.

أولا قصد بن لادن أن يكون البرجان المحروقان تذكيرا دائما بالانحلال الثقافي الغربي. وثانيا لم يتوقع بن لادن أبدا قوة الرد الذي نتجت عنه حرب مازالت قائمة ضد الإرهاب ووفاته بعد عقد من الزمن. والأهم من ذلك كله أن بن لادن لم يكن يتخيل حجم الاضطراب الذي سيأتي لاحقا.

وربما من أكبر النتائج المستتبعة نجد أن الهجمات زادت من حدة التوترات بين الحريات الفردية والأمن القومي حيث تم تقليص أو تجاوز الكثير من هذه الحقوق من أجل الحماية من الهجمات الارهابية المستقبلية. وفي ذات الوقت تبخرت على الفور آلاف المليارات من الدولارات من قيمة الأسواق المالية، وتوقفت الرحلات الجوية، وتم لاحقا فرض إجراءات سلامة جديدة ستكلف أكثر من مئات المليارات من الدولارات، مما حوّل المطارات إلى قلاع وحواجز أمام المسافرين الذين يمرون بنقاط تفتيش شديدة المضايقة للأشخاص.

وبالفعل جعل النقاش المشروع حول الأمن أكثر إثارة للقلق عبر تقديم صور عن “بارل هاربر سيبراني” محتمل يتمكن فيه إرهابيون أو غيرهم من إغلاق شبكات الكهرباء الوطنية والأنظمة البنكية وتعطيل خدمات حيوية أخرى يعتمد عليها المجتمع. وبغض النظر عن التهويلات يجب أن تكون الحيلولة دون إحداث تعطيلات في طريقة عيشنا النموذج الاستراتيجي الجديد لتأمين الأمن القومي. ومع ظهور نقاط ضعف جديدة في المجتمعات المتطورة حتما سيزيد احتمال وقوع الاضطرابات. بالتوازي مع وجود أسلحة الدمار الشامل وبروز مجموعات شبيهة بتنظيم القاعدة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذي يسيطر الآن على مساحات مهمة من الأراضي، يرى الكثير من الناس أن التهديد للأمن القومي منذ سبتمبر 2011 ازداد إن لم نقل تفرع. وتذهب التوقعات الأسوأ على طريقة أفلام الحركة إلى تضخيم هذه التهديدات والأخطار المحتملة إلى مستويات وجودية في ما يشبه المستويات المشهودة مع هتلر وستالين، لكن الأمر في الواقع مخالف لذلك.

مما لا شك فيه أن عددا من الإرهابيين أو أولائك الذين يرغبون في فرض شكل منحرف للإسلام، أو ببساطة يريدون إلحاق الأضرار يحصلون على الحوافز في سوريا والعراق واليمن وغيرها من مناطق النزاع. والكثير من هؤلاء لديهم جوازات سفر شرعية تضمن لهم دخول بلدانهم الأصلية، وبالتأكيد يبقى هناك احتمال جدي في حدوث هجمات إرهابية. لكن هذه الهجمات لن تمثل خطرا وجوديا كما هو الحال بالنسبة إلى حرب نووية بالرغم من أنه من الأكيد أن هجوما كبيرا قد يكون مميتا لحكومة أو زعيم أو حزب في السلطة.

يمكن استخلاص عدة نتائج بديهية، أولا من الضروري الإقرار بحصول تحول من عهد التدمير المؤكد إلى عهد اضطرابات، وهذه الاضطرابات قد تأتي بسبب عوامل طبيعية أو بفعل البشر. ومن هذه العوامل الطبيعية نجد الكوارث من الزلازل والأعاصير والتسونامي والجفاف والفيضانات والتغييرات الحادة في الطقس.

ثانيا يمكن التحكم في التطرف الإسلامي العنيف دون التعرض لتهديدات وجودية بالنسبة إلى الغرب. لكن حسب المسار الحالي لا تفعل الكثير من سياساتنا الحالية غير مزيد الحد من الحريات الفردية دون تقليص الخطر الحقيقي.

وثالثا يجب أن تنبني التحركات القادمة على معالجة الأسباب وليس الأعراض التي أنتجت هذا العهد من الاضطراب، فالارهاب هو أسلوب تكتيكي ووسيلة وليس سببا. وإلى أن نقوم بتطوير عقلية تلائم القرن الواحد والعشرين يمكن اعتبار ردود أفعالنا من نوع التدمير المتبادل المؤكد.

6