عوائق الانتصار على الإسلاموفوبيا.. الانطواءات على الهوية

شهدت فرنسا نمو العديد من أشكال الصراعات ضد الإسلاموفوبيا، وقد تولت ذلك جمعيات الشباب المسلمين والمسلمات مثل “اتحاد الشباب المسلم”، “التجمع ضد العنصرية والإسلاموفوبيا”، “أهليو الجمهورية”، و”المثقفون والمثقفات بالثقافة الإسلامية”. هذا إلى جانب التنظيمات التي تتحرك ضد كل أشكال كراهية الأجانب باسم الأفكار الكونية وحقوق الإنسان، وهؤلاء هم أصحاب نزعات إنسانية من كل الأصول ومن كل الآفاق الروحية، فضلا عن رجال علم يرفضون تشويهات التاريخ وانحرافات الإثنية المركزية والماهوية التي تصب في خدمة أيديولوجيات الكراهية.
الجمعة 2017/04/07
فك الارتباط مع تنظيمات التطرف والإرهاب

كان لا بد من انتظار الاعتداء على صحافيي شارلي إيبدو في يناير 2015 واعتداءات 13 نوفمبر 2015 التي اقترفها مسلمون باسم الإسلام، وقد أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها حتى يقوم المسؤولون عن العبادات الإسلامية بردات فعل متعددة ضد هذا الاستخدام الأداتي للإسلام، وحتى يصار لبدء سماع النداءات ضد الإسلاموفوبيا وما تغذيه من جانب المسؤولين السياسيين، وعلى أعلى المستويات في الدولة، وفي أوساط الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام التي وعت أخيراً بالأخطار الناجمة عن المزج بين المسلمين والإسلام والإسلاميين والأشكال المؤذية الناجمة عن أدلجة ذلك. مع ذلك، ما زالت هذه الصراعات بعيدة عن إحداث توازن مع ما أحدثته العولمة الليبرالية من خراب، وهي التي تشد من حدة الأزمة ومن المسائل التي هي السبب في صعود موجة رهاب الإسلام، والأشكال الأخرى من الانطواء على الهوية، لا سيما عند المقصين أو غير المصنفين في العولمة العالمية، كما في أوساط الذين يحلمون بالمطلق ويبحثون عن إعطاء معنى لحياتهم في “عالم صار خاليا من أي معنى”.

مع ذلك، يعاني الصراع ضد الإسلاموفوبيا من القطع أو الحجز بين المعارك التي تقاد ضد مختلف أشكال كراهية الأجانب ومعاداة السامية، والنزعات العرقية ضد السود، ولكل نزعة ميلها في عدم اعتبار إلا كراهية الأجانب التي تعنيها. وأنماط السخط غالبا ما تكون انتقائية.

بل إننا نشهد نوعا من التنافس الضار بين ضحايا مختلف أشكال كراهية الأجانب، مع وجود فكرة تراتبية بين مختلف هذه الأشكال: فبعضها أكثر فظاعة وأقل تقبلا من بعضها الآخر. ثم إن ضحايا مثل هذا التمييز العنصري يعيدون إنتاج مواقف كره الأجانب نفسها تجاه آخرين، ولذلك لا مصداقية لرفض ما يتعرضون له.

فالمناهضون للعنصرية يشعرون بالحرج إذا ما هبوا لنجدة ضحية أحد أشكال كره الأجانب، إذ يعتبر ذلك، بدوره، شكلا من أشكال كراهية الأجانب.

فالعديد من المسلمين ينكرون بحق الإسلاموفوبيا مع كونهم هم ممن يكره اليهود ولا يخفون نزعتهم العرقية تجاه السود والبيض والآسيويين، بل حتى ضد مسلمين آخرين ممن هم من أصول غير أصولهم. كما أنهم يرفضون ما يتعرضون له من تمييز، ومن وسم مقدساتهم بأوصاف دنيوية، والاعتداء على حقوقهم.

ما زالت العوامل التي شجعت نمو الإسلاموفوبيا في فرنسا أو في أوروبا أو في بلدان أخرى، بعيدة عن أن تكون وراءنا، بل أكثر من ذلك إنها عوامل تزداد حدة يوما بعد يوم، سواء تعلق الأمر بتأثيرات منطق الليبرالية الفائقة التي تفرض على الدول وعلى المجتمعات، من خلال سيرورات التكون الأوروبي والعولمة التي تضحي بالإنساني على مذبح المردودية الاقتصادية، وتراكم الأرباح بأسرع وقت ممكن، أو سواء تعلق الأمر أيضا بالأزمة الاقتصادية المستمرة منذ السبعينات. إن الأسوأ ما زال بانتظارنا.

إن الآثار الاجتماعية ومنها خسارة الوظائف، وتراجع الخدمات العامة (من صحة وتعليم ومسكن واستعمال وسائل النقل وأوقات الفراغ إلخ) والحقوق التي من أجلها كانت هذه الخدمات، كل ذلك بات يترجم بعدم ثبات متنام لدى شرائح من السكان باتت تكبر أكثر فأكثر. أدت “الأصولية التجارية أو الاقتصادية” وهي أصل هذا التطور إلى نتيجة، أو إلى مكمل لها وهي “الأصولية الدينية”. وترابط هذين النمطين من الأصولية قد شجع على الانطواءات على الهوية، وكان هذا الأساس لكل أشكال كراهية الأجانب التي تتربص بكل مجتمعات العالم.

في المعركة مع كل أشكال الكراهية على كل فرد أن يبدأ بالكنس أمام بيته، وأن يضع نفسه مكان كل الضحايا

في فرنسا كما في أوروبا وفي أميركا، بل في كل البلدان، حيث المسلمون يشاركون في الأحداث بأعماق فاقعة تضر قبل أي شيء آخر بالديانة التي ينتمون إليها، نجد أن للإسلاموفوبيا أياما تنتظرها لتنمو.

إن وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ حملته الانتخابية بمنع دخول كل المسلمين إلى الولايات المتحدة، إلى جانب نجاحات اليمين المتطرف في الانتخابات، والتي يشكل الخوف من الإسلام الرصيد لرواجها، في فرنسا أو في بلدان أوروبية أخرى، كلها إشارات ذات مغزى إلى ما سيحصل في الغد، وهو تحد لأصحاب النزعات الإنسانية الذين يعز عليهم العمل على جعل الأحقاد تتراجع، وعلى تشجيع التكافل وحقوق كل البشر، بغض النظر عن الخلافات في الجنس والثقافات والأديان والألوان.

لا يمكن للصراع ضد الإسلاموفوبيا أن يكون محركا إلا إذا ارتبط بوضوح مع الصراع ضد كل أشكال كراهية الأجانب، وبالدفاع دون هوادة عن كونية أو عالمية الإنسان وحقوقه. هذه المعركة في حاجة إلى تضامن كل ضحايا أشكال التمييز والمس بالكرامة وبالحقوق.

وعلى البلدان العربية، وعلى عوالم الإسلام، التي تسهم حقائقها في تغذية الشعور بالإسلاموفوبيا، يقع الدور المهم إذا ما أرادت الإسهام في جعل هذا الشعور يتراجع. عليها التحرك ضد السياسات المناهضة للديمقراطية، التي قلما تحترم الحريات والحقوق الإنسانية من قبل السلطات القائمة، وعليها أيضا العمل على إجراء قطيعة مع العادات الاجتماعية القديمة، والأعراف التي تقف حائلا دون تنفيذ هذه الحقوق، وأن تعارض بقوة التعصب وأشكال التمييز والاضطهاد الذي تتعرض له الأقليات الدينية والسكان الذين يعتبرون “هراطقة”، ورفض الجرائم التي تقترف باسم الأديان من خلال تعابير الإسلام السياسي الراديكالية، والكف عن استعمال المسلمين الذين يعيشون في فرنسا أو أوروبا أو في أي مكان كأدوات، والسعي من أجل فصلهم عن السكان الذين يتشاركون معهم القدر نفسه.

في المعركة مع كافة أشكال كراهية الأجانب على كل فرد أن يبدأ بالكنس أمام بيته، وأن يضع نفسه مكان كل الضحايا وكل العنصريات: ليس باستطاعة أحد أن يعرب عن تذمره من السوء الذي قدر له دون أن يدفع مقابل ذلك، بشكل أو بآخر، الثمن المناسب.

* خلاصة من بحث: روضة القادري “الإسلاموفوبيا في فرنسا”، ضمن الكتاب 112 (أبريل 2016) ”الإسلام في أوروبا” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13