عوائق توحيد الجيش الليبي

الاثنين 2017/11/06

التحركات العنيفة التي تقوم بها ميليشيات ليبية في أماكن مختلفة، ترمي إلى قطع الطريق على محاولات توحيد الجيش وتجميع العسكريين تحت لواء وطني واحد، وتأتي في سياق الجهود التي تبذلها قوى إقليمية لتكوين جيش قوي لمنع المزيد من الانفراط في عقد الدولة الليبية، ووقف التدهور الحاصل في مكوناتها الأساسية.

الميليشيات والداعمون والمؤيدون لها، في الداخل والخارج، يعتقدون أن توحيد الجيش يمثل خطرا على مصالحهم، وسيكون محورا مركزيا لتغيير الكثير من التوازنات التي سادت خلال السنوات الماضية، ويدركون أن حسم معركة طرابلس المقبلة لصالح المشير خليفة حفتر يعني نهاية حقيقية لعصر الميليشيات الذي ازدهر في ليبيا، لأن دخول طرابلس، كرها أو سلما، يقود إلى مصراتة المتمرسة خلف قوة عسكرية مهمة وغيرها من مدن الغرب، ويمهد الطريق لزيادة وتيرة الزحف على الجنوب ضمن معادلة تراعي موازين القوى القبلية في هاتين المنطقتين.

النتيجة الإيجابية التي توصلت لها اجتماعات 20 من العسكريين الليبيين مع مسؤولين في القاهرة من 29 أكتوبر الماضي وحتى 2 نوفمبر الجاري، تؤكد أن خيار الوحدة أصبح ضروريا الآن، في ظل العثرات والعقبات التي يواجهها الفضاء السياسي، والتعجيل بتشكيل لجان فنية مشتركة لبحث آليات وإجراءات توحيد المؤسسة العسكرية، أضحى مسألة غاية في الأهمية، وينطوي على شعور مسكون بالهواجس خشية استمرار الموقف على ما هو عليه.

في غالبية الأزمات من هذا النوع، يبدو التفاهم السياسي والالتفاف حول قواسم مشتركة المدخل الرئيس لتوحيد الجيش الوطني، لكن في ظل التعقيدات التي تواجه العملية السياسية في ليبيا حاليا، من الممكن أن يتم قلب المعادلة، وتصبح خطوة إعادة اللحمة للجيش نقطة الانطلاق، ما يشجع على ذلك أن عملية الكرامة التي دشنها خليفة حفتر في العام 2014 حققت تقدما لافتا في الشرق والجنوب، وبمزيد من التنسيق والتعاون مع قوات جهوية ووطنية تستطيع توسيع مساحة الأراضي التي تسيطر عليها بطريقة أكثر سلاسة.

الانسداد الذي تعاني منه التسوية السياسية وإخفاق حوارات تونس لتطوير وتعديل اتفاق الصخيرات برعاية الأمم المتحدة، فرض على الجيش الوطني الليبي منح المتحاورين السياسيين مهلة لحل خلافاتهم حتى مارس المقبل، وهو ما يشي باتجاه حفتر لتحمل المسؤولية السياسية بالتوازي مع نظيرتها العسكرية، وتوسيع نطاق السيطرة بالقوة خلال الفترة المقبلة.

الدعم الذي توفره مصر لتوحيد الجيش الليبي، بدأ مبكرا ومنذ التيقن بأن ظاهرة الميليشيات أدخلت الدولة مرحلة غامضة من التدهور والتفكك، وشجعت القاهرة الجهود المبذولة لإعادة تكوين الجيش الوطني، وقدمت في هذا المجال إسهامات مادية ومعنوية واضحة، وحرصت على التقارب مع جميع القوى السياسية والقبلية والعسكرية، في الشرق والغرب والجنوب، لأن تمركز قوات حفتر في المنطقة الشرقية جعل البعض يوجه اتهامات لمصر بأن همها الأكبر أمن واستقرار هذه المنطقة فقط، لأنها قريبة من حدودها.

الانفتاح المصري على فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي الليبي وغيره من الأطياف السياسية مكن القاهرة من رعاية الكثير من جولات التفاوض المختلفة، بين حفتر والسراج وغيرهما، لكن يظل ميلها لحفتر وثقتها في حلفائه العسكريين يحظى بأولوية واضحة، ما يجعلها تعول على هذا المحدد لسد الثغرات في الجسم السياسي المرتبك.

ربما يكون ذلك ناجما عن قناعة مصرية راسخة بالدور المركزي الذي تقوم به المؤسسات العسكرية في البلدان العربية، وربما أيضا لعدم اليقين التام في التوجهات والتحركات والمناورات التي يقوم بها السراج وأصدقاؤه، والتي وضعته في كفة دول تتهمها القاهرة بدعم وتمويل الإرهاب، ما يفسر جانبا من الفتور الذي تبدو عليه علاقة مصر بالسراج مؤخرا، والذي انعكس في عدم استقباله بالقاهرة منذ عدة أشهر.

في تحد للخطاب المصري، قام قادة كبار في عملية “البنيان المرصوص” التي تمثل الذراع العسكرية لجناح السراج، بزيارة الدوحة ولقاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وهدد العميد محمد القنيدي مسؤول الشرطة العسكرية في العملية، مصر بالتدخل في أراضيها، بحجة قيامها بعمليات مسلحة لمطاردة إرهابيين في ليبيا، كما قام السراج نفسه بزيارة للسودان، فهمتها القاهرة على أنها رسالة سلبية للدور الذي تلعبه مصر على الساحة الليبية.

الفتور المصري حيال السراج بدأ يزعجه، لأن توقيته غاية في الحساسية، فقد جاء في وقت تتعزز فيه مكانة حفتر لدى القاهرة وتتطور علاقاته في الداخل، الأمر الذي يتزامن مع تلميحات عديدة باختيار رئيس جديد للمجلس الرئاسي عند الانتهاء من تعديل اتفاق الصخيرات، وجرى ترشيح شخصيات من الغرب والجنوب والشرق، ليس من بينها السراج، الذي استوعب الغضب المكتوم ضده، وأمر بالتحقيق مع العميد القنيدي، وكان في مقدمة من زاروا الدوحة مؤخرا، بشأن تصريحاته ضد مصر.

كما أن تمدد علاقات حفتر الإقليمية والدولية، أخذ يقلص من نفوذ السراج في الخارج، ويضاعف من قلقه بشأن مصيره، خاصة أن حفتر بدأ طرحه كرئيس محتمل يلقى ترحيبا من دوائر عدة، بعد تحوله إلى رمز لوحدة الدولة الليبية، وقادر على قهر الميليشيات.

محاولة السراج تلطيف الأجواء، لم تلق اهتماما كافيا لدى القاهرة واعتبرتها محاولة متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومضت في اتجاه دعم تيار حفتر الذي بات يمثل قلقا لقوى دولية مختلفة، للدرجة التي دفعت بعضها لإعادة فتح ملف محمود مصطفى بوسيف الورفلي قائد قوات الصاعقة الموالية لحفتر، عقب اتهامه من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتنفيذ إعدامات بحق 33 شخصا في بني غازي بين عامي 2016 و2017.

المشكلة أن فتح هذا الملف، يحرج حفتر الذي أعلن توقيف الورفلي في أغسطس الماضي، لأن المحكمة الجنائية تطالب بتسليمه، ما يضعه (حفتر) أمام خيار صعب، إما تسليمه وتحمل التداعيات السلبية لغضب قادة في الجيش، وإما رفض التعاون مع المحكمة، وهو ما يضعه في موقف الرافض للتعاون مع الجنائية، وتتوالى الضغوط الواقعة عليه وإسناد مسؤولية عدم تسليم الورفلي له بكل ما تتضمنه من انعكاسات.

العوائق التي تقف حائلا لتوحيد الجيش الليبي كثيرة ومتشعبة، وتجاوزها يحتاج إلى تكاتف سياسي وعسكري ومجتمعي وإرادة قوية ورؤية شاملة، تعي أن هذه الخطوة عملية حيوية لتضع الدولة الليبية أقدامها على طريق الاستقرار.

كاتب مصري

9