عوائق موضوعية تحول دون إتمام صفقة استقلال كردستان العراق

ظاهريا تبدو الظروف قد باتت مهيأة أكثر من أي وقت مضى لإعلان أكراد العراق دولتهم المستقلّة على إقليمهم، لكن واقعيا لا تزال العوائق كثيرة في طريق تحقيق هذا الحلم التاريخي، بينها ما هو متعلّق بالوضع السياسي في داخل الإقليم، وأبرزها ما يتعلّق بممانعة دول إقليمية متوجّسة من انتقال “عدوى” الاستقلال إلى أكرادها.
الجمعة 2017/04/07
رئاسة الدولة قد تتأخر.. من الأجدر الحفاظ على رئاسة الإقليم

أربيل (العراق) - يعمل القادة السياسيون الأكراد على صياغة قضية تأسيس دولة قومية لهم، في شكل صفقة كبرى تدخل ضمن ترتيبات أوضاع العراق والمنطقة في فترة ما بعد الاضطرابات الحالية ومن ضمنها الحرب على تنظيم داعش الذي تقترب نهايته ككيان مسيطر على الأراضي بشكل واسع.

ويرى هؤلاء القادة أنّ أبناء جلدتهم قدّموا خلال الفترة المضطربة من الجهود، خصوصا في حرب داعش، ما يستحقون عليه جائزة الاستقلال، بل الحصول على المزيد من الأراضي التي ظلّت لعقود مصنّفة ضمن خانة المتنازع عليها كما هي حال محافظة كركوك بشمال العراق.

ويتوقّعون أن المزاج الدولي بات مهيّأ للقبول بدولة كردية، بل لمساعدتها على تخطّي الرفض الإقليمي الشديد للفكرة. وهو ما لا يبدو أمرا واقعيا في نظر العديد من المحلّلين والساسة.

وترى البرلمانية الكردية تافكة أحمد عدم إمكانية إجراء استفتاء لتقرير مصير إقليم كردستان العراق والمناطق المتنازع عليها في الوقت الحالي لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية.

وقالت تافكة الخميس في تصريحات صحافية، إنّ الإقليم يعاني من مشاكل سياسية داخلية كبيرة حيث لا يمتلك رئيس الإقليم مسعود البارزاني أي صفة قانونية بعد تجاوزه الدستور وبقائه في السلطة بعد انتهاء ولايته، في حين يشهد برلمان الإقليم توقفا منذ عام إضافة إلى المشاكل السياسية مع بغداد ودول الجوار.

وأوضحت أحمد أنّ إعلان الدولة لا يكون عبر شعارات انتخابية مثلما تفعل الأحزاب الكردية الآن، حيث يشهد الإقليم نقصا في البنى التحتية واستشراء الفساد المالي والإداري، مشيرة إلى أنّ استقلال كردستان بحاجة إلى موافقة بغداد ودول الجوار والدول العظمى وهذا ما لم يحصل لغاية الآن.

وخلال الأيام الماضية قفزت قضية استقلال إقليم كردستان العراق إلى الواجهة بشكل غير مسبوق. وكشف هوشيار زيباري، القيادي بالحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، أن أكراد العراق يعتزمون إجراء استفتاء على الاستقلال هذا العام وذلك للمطالبة “بأفضل صفقة” فيما يتعلق بتقرير المصير بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش.

وتركّز الاهتمام بشكل استثنائي على محافظة كركوك المتنازع عليها والغنية بالنفط، بعد أن بادر محافظها نجم كريم إلى رفع العلم الكردي فوق مبانيها الرسمية في خطوة بدت بمثابة محاولة لفرض سيطرة الأكراد عليها كأمر واقع، رغم تعايش أكثر من قومية على أراضيها.

ويقول محلّلون إنّ من المؤكد أن الزعماء الأكراد على يقين من أن أي استفتاء يُجرى في كركوك سيكون لصالح الانضمام إلى إقليمهم المستقل واقعيا بالرغم من ارتباطه الشكلي ببغداد. فبعد عمليات طرد العرب من أماكن سكناهم بالمحافظة وعدم عودة النازحين إلى المناطق التي تم تحريرها من قبضة داعش، ليس هناك ما يدعو إلى القلق بالنسبة إلى نتيجة ذلك الاستفتاء.

تافكة أحمد: إعلان الدولة الكردية لا يكون عبر شعارات انتخابية

غير أن ضم كركوك لن يكون سببا كافيا بالنسبة إلى الأكراد كي يعلنوا انفصال إقليمهم وقيام الدولة الكردية المنشودة، لأنهم يدركون أن دولتهم، وحتى وإن وضعت اليد على نفط كركوك، فإنها ستكون محاصرة من قبل جيرانها وبالأخص تركيا وإيران. لذلك يمكن النظر إلى نتيجة الاستفتاء إن أجري باعتبارها وسيلة للضغط على حكومة بغداد من أجل الحصول على تنازلات تقوي الوضع المالي للإقليم.

فكركوك مجرّد ورقة سيستعملها الأكراد في مفاوضات ستكون صعبة مع حكومة بغداد التي تعاني أصلا من شحة في الأموال في ظل عجزها عن المضي في طريق الإصلاح الإداري والمالي الذي تقاومه الأحزاب المتنفّذة التي باتت تستقوي بالميليشيات لحماية مفاصل الفساد.

وأشار زيباري إلى أن نتيجة الاستفتاء المتوقعة بالموافقة لا تعني تلقائيا إعلان الاستقلال. وفي مقابلة صحافية أجراها بأربيل عاصمة الإقليم، قال القيادي الكردي الذي سبق أن شغل منصبي وزير الخارجية والمالية في العراق، معلقا على اجتماع مع قيادات حزب الاتحاد الوطني “تم تنشيط فكرة الاستفتاء”.

ولعب الأكراد دورا رئيسيا في الحملة التي تدعمها الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم داعش الذي اجتاح ثلث الأراضي العراقية تقريبا قبل ما يقرب من ثلاث سنوات.

ويقاتل المتشددون الآن القوات العراقية في الموصل آخر معاقلهم في العراق والتي أعلنوا منها إقامة ما سمّوه “دولة خلافة” على بعض الأراضي العراقية والسورية.

وفي حين أن استعادة الموصل ستقضي فعليا على “دولة الخلافة” فإنها لن تحل الخلافات العميقة على السلطة والأراضي والموارد بين الأغلبية الشيعية والطائفة السنية والأكراد.

وأصدر الحزبان الكرديان المتنافسان بيانا مشتركا أعلنا فيه دعمهما لخطة إجراء استفتاء، وتركا مسألة الإعلان عن توقيته لحين الاتفاق مع جماعات كردية أخرى أصغر.

ووصف زيباري الهدف من الاستفتاء بأنه تقرير المصير وترك مسألة طبيعة أي صفقة يتم الاتفاق عليها مع بغداد مفتوحة لما بعد الاستفتاء الذي يرجح أن يوافق فيه عدد كبير من الناخبين على الاستقلال.

وقال زيباري إن الاستفتاء “سيمنح القيادة الكردية تفويضا قويا للدخول في محادثات مع بغداد والجيران من أجل الحصول على أفضل صفقة لتقرير مصير الأكراد”.

ويعارض العراق منذ زمن بعيد استقلال الإقليم الكردي، ويعارضه كذلك جيران العراق: إيران وتركيا وسوريا خشية أن تنتشر “عدوى” استقلال الأكراد في هذه الدول.

وأكراد العراق هم الأقلية التي حققت تقدما أكثر من غيرها من الأقليات الكردية نحو تحويل حلم الاستقلال إلى واقع ملموس. ويدير الأكراد شؤونهم في الشمال من خلال حكومة إقليم كردستان تحت قيادة مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وللأكراد قواتهم المسلحة المعروفة باسم “البيشمركة” التي منعت تنظيم داعش عام 2014 من الاستيلاء على محافظة كركوك النفطية بعد فرار قوات الجيش العراقي أمام المتشددين.

ويطالب الأكراد بأحقيتهم في كركوك التي تحوي أراضيها مخزونات هامّة من النفط يأملون بأن تكون عمود اقتصاد دولتهم المنشودة. وقد هددت فصائل شيعية تدعمها إيران بطرد الأكراد بالقوة من المنطقة ومن مناطق أخرى متنازع عليها.

كما حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأكراد من أن قضية كركوك ستضر بالعلاقات مع تركيا، قائلا “نحن لا نتفق مع المطالبة بأن تكون كركوك للأكراد. فلا تطالبوا بما ليس لكم وإلا فسيكون الثمن غاليا”.

3