عواصف الربيع العربي تقتلع المنابر المملوكية في القاهرة

الحكومة المصرية ترى أن قرار نقل المنابر الأثرية ضرورة لحمايتها من السرقة والإتلاف، واستغلالها بشكل أفضل من خلال عرضها مجتمعة في متحف كبير.
الجمعة 2018/05/11
المنبر جزء من لوحة فنية تتضمن الأبواب والنوافذ

القاهرة – اكتسبت منابر مساجد القاهرة التاريخية المزيد من الأهمية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، بعدما فقدت عاصمتا الخلافة الإسلامية بغداد ودمشق، عددا كبيرا من مساجدها النادرة في خضم الصراعات الأهلية، لتصبح أخشاب مساجد القاهرة الأقدم والأندر في حفظ تراث التشكيل الخشبي للمنابر، في معظم العصور.

لم يكن المنبر في التاريخ الإسلامي رافعة تظهر إمام المسجد حتى يراه المصلون، بل وسيلة لترسيخ الحكم، فعلى خشبه دوّن الحكام أسماءهم، وعلى سلالمه تلقى الخلفاء البيعة، واعتبروه رمزا للانتصارات، ومنه أعلنوا الحروب.

 

أثار تفكيك منبر مسجد أبوبكر بن مزهر في القاهرة مؤخرا، والذي يعود تاريخ صناعته لنحو 700 عام، ضمن 55 منبرا صدر قرار حكومي بنقلها إلى المخازن، أزمة كبيرة وسط تحذيرات من الإضرار بالقيمة الفنية والتراثية للمنابر التي طالما لعبت دورا حيويا في التاريخ العربي، والمخاوف من سرقتها وتهريبها إلى الخارج لبيعها في المزادات العلنية العالمية.

كان أبوبكر مزهر، صاحب المسجد الذي أثار الأزمة بمصر، ناظرا لديوان الإنشاء بعهد السلطان قايتباي ويعد منبره الوحيد الذي يتضمن توقيعا باسم صانعه عبدالقادر النقاش تقديرا لفنه بعدما خلق رابطة بصرية جمعت بين مكوّناته الخشبية، ويبدو جزءا من لوحة كاملة نسجها تتضمّن الأبواب والنوافذ.

وخسر العراق بحروبه جزءا من تراثه الأصيل بتعرّض العشرات من مساجده التاريخية بمنابرها النادرة للتدمير من قبل تنظيم داعش الإرهابي، مثل مساجد النوري الكبير والنبي يونس والنبي شيث بالموصل، وغيرها من المساجد في الفلوجة.

وفي سوريا طال الهدم نحو ألف مسجد، بينها الجامع الأموي أول مسجد ظهر فيه المحراب، والذي أعيد ترميمه أخيرا، لكن لا يزال منبره الأصلي مفقودا.

ترى الحكومة المصرية أن قرار نقل المنابر الأثرية ضرورة لحمايتها من السرقة والإتلاف، واستغلالها بشكل أفضل من خلال عرضها مجتمعة في متحف كبير لمقارنة جماليات الفن الإسلامي والنقوش البديعة في كل منبر.

محمد الكحلاوي أمين عام الاتحاد العام للأثريين العرب، وصف عملية نقل منابر المساجد الأثرية بأنها “قرار همجي” لا يتماشى مع القانون الدولي واشتراطات منظمة اليونسكو التي تمنع أي تغيير بمعلم الأثر الذي تم تسجيله، مثل مسجد أبوبكر مزهر الذي يقع ضمن القاهرة التاريخية.

ورفع محام يدعى علي أيوب، دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة تعتبر عملية فك المنبر “مهينة” وتتهم وزير الآثار بالهروب من الواقع ومسؤولياته في مطالبة شرطة السياحة بحماية المساجد التي تتضمن تحفا نادرة، من المنابر والمشكاوات (المصابيح) وكراسي المقرئين.

وقال الكحلاوي، لـ”العرب”، إن “المنبر الذي تم نقله مصنوع بطريقة تجعل من المستحيل عودته لطبيعته بعد نقله بسبب كثرة الحشوات (قطع صغيرة من خامات نادرة تزيّن الأخشاب) التي يضمها وتقادم أخشابه التي تعود لقرابة الـ700 عام، علاوة على ارتباط عناصر تصميمه بباقي المكوّنات الخشبية بالمسجد كالأبواب والنوافذ”.

متاحف مفتوحة

 يقول خبراء الآثار إن تفكيك المنابر القديمة يؤدي إلى تدميرها، وإعادة تركيبها وتجميعها وإقامتها في غير مساجدها الأصلية خطأ، فقيمة المساجد الأثرية تتمثّل في مكوّناتها وعناصرها التراثية. كما يرون المسجد أو الكنيسة الأثرية، بمثابة متحف مفتوح، فالسائح لن يتوجه لزيارة مسجد لمشاهدته من الخارج، لكن لكي يستمتع بمكوّناته ومقتنياته الداخلية، والتفكير في كيفية صناعتها في عصر لم يعرف إلا المطرقة والأزميل الحديدي.

قبل عدة أعوام، تعرّض منبر مدرسة الأمير قاني، مدير إسطبلات قايتباي بالقاهرة، للسرقة، ولم يتم اكتشاف الأمر إلا بعد صراع على منصب مدير عام منطقة آثار السلطان حسن ذات الجذب السياحي، ليقدم أحد الموظفين المتنافسين بلاغا ضد الآخر يكشف السر الذي ظل مدفونا قرابة خمس سنوات، فالمنبر سُرق بحيلة متكررة هي (النقل للمخازن).

فكرة وضع المنابر بالمخازن لمنع سرقتها مثيرة للجدل في حد ذاتها، بعد حادث اختفاء خمس مشكاوات لسلاطين المماليك من مخازن متحف الحضارة واستبدالها بأخرى غير أثرية، لتباع الأصلية بمزادات بالخارج عام 2014، بما يعني أن “تخزينها” لا يجعلها بعيدة عن أيدي اللصوص أو أنهم من الداخل.

منابر مملوكية تتعرض للسرقة لصناعتها من أخشاب ثمينة وتطعيمها بالعاج والأبنوس

قبل عام، تم بيع ضلفتي باب منبر مملوكي بلندن بمئتي ألف جنيه إسترليني، ولم يتم حتى الآن معرفة كيفية خروجهما من مصر، الأمر ذاته حدث مع غرفة نوم للملك فاروق (ملك مصر قبل ثورة يوليو 1952) مكوّنة من سبع قطع، كانت بمخازن حديقة حيوانات بالجيزة، واختفت ليتم عرضها للبيع بعد 4 سنوات على موقع مزادات أميركي بمليون دولار.

ويوضّح الكحلاوي أن فكرة حبس الأثر خوفا عليه من السرقة لا يمكن أن تتبع مع المساجد التي تضم أبوابها ونوافذها عناصر تزيين مرتفعة الثمن من العاج والنحاس والفضة، ما يدعو إلى التساؤل، هل ستقدم وزارة الآثار على نقل تلك العناصر التاريخية إلى المخازن أيضا؟ وإذا كانت الوزارة فشلت في حمايتها في النور أثناء عرضها فكيف سيتم حمايتها في مخازن تحت الأرض؟

ويقول، السبب الرئيسي في تعرّض الآثار الإسلامية للتدمير، خضوعها لأكثر من جهة، والتعيينات التي تتم من قبل وزارة الأوقاف لبعض العمال الذين يسهلون على اللصوص مهمة السرقات، أي أن السرقة تحدث من الداخل وليس من الخارج، كحادث سرقة باب خشبي وعدد كبير من تماثيل “عرائس السماء” بمسجد الإمام الشافعي بمنطقة مصر القديمة في وسط القاهرة الذي اتهم فيه عمّال المسجد.

وتعتبر المنابر الأثرية ابنا لقيطا، لتضارب الاختصاصات بين الجهات الحكومية على المساجد التي تتبع وزارة الأوقاف وتتولى إدارتها دينيا، ومحتوياتها التي تتبع وزارة الآثار وتتولي عمليات الترميم، ومرافقها مسؤولية المحليات.

وترفض وزارة الداخلية توفير حماية مستمرة عليها، إلا في الأماكن ذات الجذب السياحي، مثل مسجد الحسين الملاصق لمنطقة خان الخليلي في القاهرة.

يقول غريب سنبل، رئيس الإدارة المركزية للترميم بوزارة الآثار المصرية، المنابر تتعرض لخطورة فقدها جرّاء الظروف البيئية القاسية المتمثلة في ارتفاع منسوب المياه الأرضية بسبب عشوائية الصرف الصحي في تلك المناطق المزدحمة بالسكان، ومن عيوب إنشائية في بعض المساجد التي تحتاج لمبالغ مالية ضخمة.

وتتعرض المنابر المملوكية بالذات للسرقة دون غيرها من المنابر الأقدم، لصناعتها من أخشاب مرتفعة الثمن وتطعيمها بالسن والعاج والأبنوس ليتم تهريبها بالخارج وفك حشواتها وإضافتها بقطع أثاث حديثة، فتزيد من ثمنها وتثير لعاب الأثرياء الأجانب.

طوّر المماليك في مصر صناعة زخرفة الخشب من الحفر البارز أو الغائر إلى الحشوات بنقش وحدات صغيرة من الخشب تجمع على شكل نجمة عرفت بالأطباق النجمية في نحو 136 مسجدا ومدرسة بنوها، وجعلوا مدخلها في أحد الجوانب المتطرفة بعيدًا عن الوسط كالمعتاد حفاظًا على الوحدات الزخرفية التي تزين الواجهة.

وتعرّض 17 منبرا تاريخيا لسرقات متنوعة، بين اختفاء كامل أو أجزاء صغيرة أو سرقة أبواب، أشهرها المنبران الخشبيان لمسجدي “تمراز الأحمدي” و”السادات الثعالبة” بمنطقة الإمام الشافعي، والحشوات الفضية من باب مسجد السلطان برقوق بشارع المعز، وأجزاء من الباب الخشبي لمسجد الأشرف برسباي الأثري بمنطقة الجمالية، ومنبر السلطان الأشرف قايتباي بصحراء المماليك ومسجد الطنبغا المارداني، وحشوات مسجد المؤيد شيخ.

تتكرر سرقات القطع الصغيرة من المساجد مثل المشكاوات، والتي كان آخرها مسجد الرفاعي الأثري الذي سرقت خمس منها، وتم بعدها سحب كل المشكاوات الأصلية التي يضمها وجرى وضعها بالمخازن. ودافع سنبل، بصفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك على نقل منبر أبوبكر مزهر، إلى القلعة بذريعة حمايته من السرقة وترميمه بمقر متحف المضبوطات الأثرية وفقا للمعايير العلمية المعتمدة عالميا، وتقوية أجزاء المنبر باستخدام أحدث المواد العلمية المستخدمة في ترميم وصيانة الأجزاء الخشبية، وتثبيت الحشوات المطعمة بالعاج والعظام، مشددا على أن قرار النقل يتماشى مع القاعدة الفقهية “الضرورات تبيح المحظورات”.

ويبلغ عدد الآثار الإسلامية المسجلة في مصر 1030 أثرا فقط، منها نحو 500 مسجد أثري تستغله وزارة الأوقاف والباقي مغلق، من بين 130 ألف مسجد وزاوية (جامع صغير) بمصر، وفقا لإحصائية رسمية تعود إلى عام 2016.

وأوضح سنبل، أن النقل لم يتم إلا بعد مسح بيولوجي من الأجزاء الخشبية للمنبر أثبتت أنه يعاني من إصابة حشرية أثناء وجوده بالمسجد، وقام فريق مركز البحوث بالإدارة المركزية للصيانة والترميم بمعالجة هذه الإصابة، وأصبح المنبر حاليا خاليا من الحشرات.

ويؤكد أثريون أن خطورة النقل تكمن في وقائع سابقة أكدت أن كثيرا من القطع الأثرية ليست موجودة إلا على الورق، فالموظفون يتسلمون ويسلمون عهدتهم على الورق فقط وليس من خلال فحص شامل وجرد كامل.

وكشف سنبل عن وجود نيّة لإصدار تعديلات تشريعية تمنح وزارة الآثار سلطة الإنفاق على المساجد الأثرية التابعة لوزارة الأوقاف على أن تقوم باسترداد المبالغ المنصرفة من الأخيرة كحل للحفاظ على الجوامع التي تحتاج لتدخل عاجل لترميمها وإعادة تأهيلها.

تطور مستمر

تربط دراسات تاريخية بين نشأة المنبر الضخم ذي الجوانب والأبواب، وبناء مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط في حي مصر القديمة، الذي عارضه الخليفة عمر بن الخطاب معتبرا إياه اعتلاء لرؤوس المؤمنين، لتنتشر بعدها المنابر وتزدهر بعصر الأمويين في الشام والعراق والحجاز.

ويقول مصطفي عوض، أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، لـ”العرب”، لم يكن المنبر مجرد مكان عال لخطبة

 الجمعة، بل كان كيانا يخشاه الخلفاء والحكام ويحرضون على عدم معاداته لذلك اهتموا بتطويره والإنفاق على جودة صناعته باعتباره جهازا إعلاميا كاملا، دوره أقوى حاليا من الفضائيات والصحف ويتولى نشر تطورات شؤون الدولة الإسلامية.

وتطورت المنابر من مجسّم شبيه بسلّم مكوّن من ثلاث درجات، لتحف تشكيلية قام عليها فنانون أجادت أيديهم تقنيات تقطيع الصدف والخزف وتشكيل النحاس والعاج الذي تم جلبه خصيصا، لتقديس المكان الذي عبره وضعت اللبنة الأولى لتأسيس الدولة الإسلامية.

وبناء المنابر لم يكن عملا هيّنا، فمنبر مسجد قرطبة بالأندلس استغرق 7 سنوات كاملة لوضع 36 ألف وصلة بمكانها عبر مسامير من الذهب والفضة، ومنبر “صلاح الدين” الذي أتلفه حريق المسجد الأقصى عام 1967 استمر بناؤه 8 سنوات كاملة، كرمز ديني وتاريخي للانتصار، الذي حققه المسلمون على الصليبيين وتحرير القدس.

في العصر الحديث، لعبت المنابر دورا سياسيا أشهرها اعتلاء القمص سرجيوس، منبر الجامع الأزهر ورفع شعار “عاش الهلال مع الصليب” معلنا مشاركة مسيحيي مصر مسلميها في ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنكليزي، للمطالبة بعودة الزعيم الوطني حينها سعد زغلول. وأضاف عوض، لـ”العرب”، أنه على مدار التاريخ، ارتبط دور المنبر بمسجده ليلعب دورا سياسيا، خصوصا الأزهر الشريف، من مواجهة الغزاة مثل الصليبيين والمغول، وحتى إعطاء شرعية للحكام كالمملوكي سيف الدين قطز، والحشد للثورات، ورفع الروح المعنوية للشعب.

وشهد منبر الأزهر، أول خطبة عام 1266 ميلادية، واعتلاه محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو 1952، ليخاطب المصريين في أول مناسبة دينية بعد إعلان الجمهورية، وعلى نفس درجاته أعلن خلفه جمال عبدالناصر الجهاد ضد العدوان الثلاثي (الإنكليزي- الفرنسي- الإسرائيلي) على مصر، والتأكيد على وجوده في القاهرة رافعا شعار “سنقاتل”.

ويبدو تعرض المساجد الأثرية للسرقة أمرا مستحدثا بمصر، فعلى مدار تاريخها كانت مفتوحة طوال اليوم ولم تتعرض لفقدان أي من أجزائها أو قطعها حتى في فترات المجاعات وانتشار الفقر، رغم وقوع معظمها في مناطق شعبية، وعلى العكس كان الأهالي يغيّرون سجادها من أموالهم الخاصة.

20