عواطف شيطانية

الأربعاء 2014/07/02

حين كتب “بترولد بريخت” نصه المسرحي: “جان قديسة المسالخ”، استدعى ملحمة القديسة الفرنسية “جان دارك” في سياق عمالي مبتذل، مفعم بالأحقاد الطبقية؛ وذلك ليجعل عواطف: “الإيمان” و”المحبة” و”التضحية” و”التسامح” تتجلى بوصفها قيما بلهاء، تستثمرها الرأسمالية الحديثة، لإطفاء الضغينة، وإخراس الطموح في نفوس الفقراء. وهي المسرحية التي تتصادى مع مئات الأعمال الروائية والمسرحية والسينمائية التي تتأسس على مبدإ التشكيك في الثوابت، والمحاكاة الساخرة وتدنيس الرمزيات.

هل معنى هذا أن الأدب شيطاني وغرائزي؟ محتمل جدا، بل يبدو أحيانا أن الشيطانية صفة مركزية ومؤسسة لنسق معقد من التعابير الجمالية الرفيعة، إذ الأدب ليس هو الإيمان ولا المحبة ولا الأخلاق ولا النبل، هو ما أسماه كونديرا بـ”الإجابة الممكنة تجاه هزيمتنا المحتومة في الحياة”، الإجابة التي تسكن الهوس الكتابي بفهم الألم، والخوف، والعطش الغريزي للثروة والسلطة والجنس، واستبعاد المحو والعدم والنسيان.

لقد كانت الشتيمة (الهجاء) غرضا شعريا معروفا في الأدب الكلاسيكي، كما شكل “الاحتيال” مكونا موضوعيا وتعبيريا جوهريا في عدد كبير من الأنواع المسرحية والروائية الكلاسيكية والحديثة، جنبا إلى جنب مع مكونات “الكذب”، و”التورية”، و”المخاتلة” و”السخرية”..

في مشهد تصويري صاعق من رواية “الإخوة كرامازوف” يرقد البطل العليل في غرفته الباردة، بجوار خادمته العجوز التي تساعده على تناول الدواء، بينما الأسرة تتجاذب أطراف الحديث في الخارج، وتوشوش بعضها عن عدد الأيام المتبقية له، تفعل ذلك ببراءة وتلقائية ودون إي إحساس بالذنب، وكأنما الأمر يتعلق بشخص غريب.. طبعا هو مشهد عميق وآسر ومفعم درامية، لكنه أيضا وببساطة متناهية صورة للسفالة وخفة الكائن البشري، وعمقه الشيطاني.

لقد كان دوستيوفسكي مقامرا أرعنا، ومارسيل بروست نرجسيا حقودا، وستندال مجدفا كبيرا، والمتنبي مغامرا مهووسا، ولسان الدين بن الخطيب متملقا دساسا، واللورد بيرون ماجنا ملعونا، كما أن سارتر وكامو وريلك وهمنغواي ودوس باسوس وكونراد وغيرهم كائنات معطوبة نفسيا وأخلاقيا، بيد أنهم في المقابل لم يزعموا يوما أنهم أصحاب رسائل روحية. لقد سعوا دوما إلى أن يبقوا كتابا فقط، وعاشقين للمتع والفضائح.

في مقال طريف كتبه الروائي اللبناني “رشيد الضعيف” قبل سنوات، بعنوان: “الحسد” تحدث بإسهاب وألمعية، عن الطاقة الخلاقة لعاطفة الحسد، وبين كيف تتغلغل الكراهية المقدسة في كيمياء الكتابة، ليس باعتبارها مثيرا موضوعيا، أو دافعا نفسيا فقط، بل بوصفها مرجعا مؤسسا للتعبير الحار النابض بالحياة، والذي قد يتخذ اسم “الفن” أو “الأدب” أو “الكتابة”.


كاتب من المغرب

15