عواطف نعيم موهبة مسرحية مركبة بتنوع مدهش

الفنانة العراقية نجحت في جعل تشيخوف وكامو وجينات ولوركا يتناولون الواقع العربي.
الأحد 2020/07/12
مسرح عالمي بقضايا عربية

قليلة هي التجارب المسرحية العربية التي تجمع بين الإخراج والتأليف لنساء مسرحيات، وبعيدا عن التصنيف الجنسي أو الأدبي والفني والفكري في دائرة النسوية، وهي الصفة التي باتت جاهزة لكل امرأة في عالم الفن والثقافة، تصدت بعض المسرحيات جنبا إلى جنب مع مسرحيين آخرين، في الحفر في قضايا الواقع الراهن عربيا وعالميا، من خلال أعمال فيها ما هو مقتبس وفيها ما هو موجه خصيصا للراهن المكاني والزماني، ومن بين أبرز هؤلاء المسرحيات العراقية عواطف نعيم.

حظي المسرح العربي بعدد قليل من الفنانات اللواتي يمتلكن مواهب متعددة، ويجمعن بين التمثيل والإخراج والتأليف والسينوغرافيا والنقد والبحث، وغير ذلك من فنون الخشبة، بحيث تنطبق عليهن صفة الفنانة الشاملة.

من بين هؤلاء الفنانات العراقية عواطف نعيم، الحاصلة على الدكتوراه في الإخراج المسرحي، والتي بدأت العمل في المسرح منذ ما يقارب نصف قرن، وارتبطت مسيرتها الفنية بزوجها المخرج والممثل عزيز خيون، ونالت الكثير من الجوائز وشهادات التقدير كان آخرها جائزة أبوالقاسم الشّابي للإبداع الأدبي في تونس لسنة 2019، على صعيد التأليف المسرحي، والتي أقيمت تحت عنوان “دورة النص المسرحي باللغة العربية”، برئاسة الكاتب المسرحي عزالدين المدني، وذلك عن مسرحيتها “اثنان في العتمة، واحد في…”، متفوقة بها على 39 مسرحية تقدمت للتسابق من معظم البلدان العربية.

بداية التأليف

 في عام 1989 كتبت عواطف نعيم مسرحية بعنوان “لو” أخرجها عزيز خيون، وأداها جواد الشكرجي، ومثلت المسرح العراقي في الدورة الثانية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وحصل فيها الشكرجي على جائزة أفضل ممثل. وهي مسرحية ذات طابع مونودرامي بطلها شخصية بغدادية شعبية اسمه حمادي، مهنته سائق عربة (حنطور) كان ينقل الناس داخل المدينة قبل ظهور وسائل النقل الحديثة، ويعرض تفاصيل من معاناته في العمل والحياة الاجتماعية، مستذكرا الكثير من المواقف المأساوية.

وقد حاول المخرج في مقاربته الإخراجية للنص إضفاء البعد الجمعي على الاستلاب الذي يعيشه حمادي من خلال ربط استذكاراته بالحركات التعبيرية التي تؤديها المجموعة “حتى بدت العملية وكأن ثمة أطيافا تخرج من أبواب الذاكرة إلى مساحة الفضاء المسرحي لتفرش أمام المتلقي تاريخ الشخصية ومرجعيتها”، كما يقول الناقد ياسر عبدالصاحب البراك.

هذه البداية الناجحة دفعت عواطف نعيم إلى الاستمرار في كتابة مجموعة مسرحيات، مؤلفة أو مكيّفة أو معرّقة عن نصوص أجنبية، منها: مطر يمه، تقاسيم على نغم النوى، يا أهل السطوح، ابحر في العينين، بيت الأحزان، السحب ترنو إلي، مسافر زاده الخيال، كنز من الملح، يا طيور، انظر وجه الماء، أنا وحدي والدمى، فوك، حجر السجيل، ترانيم للعشق، مهر لبغداد، أعتذر أستاذي لم أقصد ذلك، حلم مسعود، أنا في الظلمة أبحث، نساء لوركا، دائرة العشق البغدادية، جنون الحمائم، أنا والعذاب وهواك، وبرلمان النساء.

البداية الناجحة دفعت عواطف نعيم إلى الاستمرار في كتابة مجموعة مسرحيات، مؤلفة أو مكيفة نصوصا أجنبية

 وقد استندت في العديد من هذه المسرحيات إلى نصوص تشيخوف ولوركا وبريخت وكامو وأرستوفانيس، لكنها تمتلك موهبة خلاقة في تحويل فضاءات تلك النصوص وأحداثها وشخصياتها إلى فضاءات وأحداث وشخصيات محلية، جوهرا ومظهرا.

 في مسرحية “أبحر في العينين”، التي أعدتها عن مسرحية “أغنية التم” لتشيخوف، جعلت نعيم بطلها (الممثل القديم) (أداه الفنان الراحل سامي عبدالحميد) يتحدى السلطة التي أجبرته على الانحراف، ويرفض الخضوع لإرادتها، ويؤكد إرادته الحرة، في حين يضطر البطل في النص الأصلي إلى تمثيل أدوار الهزل التي لا تليق بمقامه ولا تتناسب وقدرته، ويهرب من خشبة المسرح بعد أن يستعرض مواهبه في الأدوار الكبيرة التي مثلها.

ويدور الحدث في مسرحية “مسافر زاده الخيال” المأخوذة عن قصة “عنبر رقم 6” لتشيخوف أيضا، في مستشفى للمجانين، تسرق إدارته الأدوية المخصصة للمرضى، فيحاول طبيب نزيه يصل إلى المستشفى القضاء على هذه الظاهرة، لكنه يصطدم بشبكة من ذوي المصالح تقضي عليه، وتحول دون تمكنه من إنجاز مهمته.

 ولأن مشكلة سرقة الأدوية من المستشفيات الحكومية كانت ظاهرة منتشرة في العراق بسبب الأوضاع الشاذة التي خلفتها كارثة الحرب والعقوبات الاقتصادية والفساد الداخلي الشامل، فإن موضوعة المسرحية اكتسبت طابعا محليا واضحا، وكأن حبل الصرة مقطوع بينها وبين مرجعيتها التشيخوفية. وعمّق مخرج المسرحية عزيز خيون عملية التحويل هذه بشحن العرض بمفردات مختلفة من الموروث الشعبي العراقي في سياق جديد غير مألوف يتصدر فيه التوظيف الذكي للفضاء، والاستغراق في تجسيد المشاعر المأساوية، والشجن المحلي، والغناء الفولكلوري.

أما في مسرحية “أعتذر أستاذي لم أقصد ذلك” فإن الحدث الدرامي يتمحور حول شخصية معلم يستقيل من مهنته بعد 35 عاما من التدريس، ويغادر المدينة للعمل في مقهى صغير يقدم الشاي

لسائقي الشاحنات على طريق خارجي، وهو مسكون بالقلق، وبأسئلة لا نهائية فجرها أحد طلابه دون قصد منه عن معنى الحرية.

عواطف نعيم أظهرت في إخراجها لمسرحياتها قدرة إبداعية تمثلت في خلق تنوع مدهش في الشخصيات المركبة الضائعة
عواطف نعيم أظهرت في إخراجها لمسرحياتها قدرة إبداعية تمثلت في خلق تنوع مدهش في الشخصيات المركبة الضائعة

الطلاب غادروا الحصة، لكن صدى الكلمة والسؤال تشظى، وبدأ يتردد في المكان وفي روح المعلم ليتحول إلى سخرية ويأس وتهكم وعنف وتهميش وإزاحة. إنها علامة تشير إلى ما حدث في العراق عقب احتلاله، على أمل أن يلتحم المجتمع من جديد بعد أن انفرط العقد الذي كان يوما يربط مصير العراقيين وقدرهم.

تجارب إخراجية

أخرجت عواطف نعيم العديد من مسرحياتها المؤلّفة والمقتبسة، مثل: كنز من الملح، بيت الأحزان، يا طيور، أنا وحدي والدمى، فوك (فوق)، حجر السجيل، ترانيم للعشق، وبرلمان

النساء وغيرها. تناولت في مسرحية “بيت الأحزان”، التي اقتبستها عن نص لوركا “بيت برنارد البا”، وأنتجتها الفرقة القومية العراقية للتمثيل عام 1997، مشكلة ثماني نسوة يعشن في منزل انطوائي خاص مغلق على عالمه الأنثوي المسكون بالانتظار والحزن والتطلع إلى الارتباط بالنصف الآخر – الرجل الحلم.

 بيد أن هذا العالم محكوم بسطوة الأم وسلطتها التي تفرض الحداد على بناتها، وتحرم عليهن فتح نافذة أو باب يتيح لهن رؤية العالم المحيط بهن، أو الاتصال بأحد فيه. ويبلغ هذا الحرمان في حياة النسوة الأرامل والعوانس والشابات على يد الأم المتسلطة المتزمتة التي لا تخفي هي أيضا إحساسها بالحرمان والوحدة، وفشل حياتها الزوجية قبل موت زوجها، حد الانفجار والجنون، ومن ثم الموت الرمزي؛ الموت في الحياة الذي يتحقق في نهاية العرض حين تهبط الستارة البيضاء المعلقة في السقف، وتجلل أجساد النسوة على هيئة كفن جماعي أشبه بلوحة تشكيلية أخاذة رسمتها يد ماهرة.

ولا تغفل نعيم في هذا المستوى، الإشارة بين حين وآخر إلى خلفية الحرب التي غيّبت في أتونها الكثير من الرجال، وتركت أسرّة النساء باردة كالثلج. وتتصف بعض هذه الإشارات بالجرأة غير المعهودة في المسرح العراقي لما توحي به من دلالات تكشف عن السلوك اللاإنساني الذي ساد في زمن الحرب.

وقد أظهرت نعيم في إخراجها للمسرحية قدرة إبداعية تمثلت في خلق تنوع مدهش في الشخصيات المركبة، الضائعة بين الحلم والانتظار من جهة، والاستسلام للحزن، والإحساس بالخيبة والانكسار من جهة أخرى؛ فالعرض يجمع بين خمس شقيقات لكل واحدة منهن طباع متفردة، وهيئة، وإيقاع، وحركات، وإيماءات، ومزاج، وأسلوب إلقاء، وحضور مختلف على الخشبة. وفي موازاة هذه السخصيات الخمس كانت مقاربة نعيم لشخصية “صباري” و”نجية الخاتون” و”الجدة” مقاربة ذكية متفهمة لأبعاد كل واحدة منهن. وقد عمق هذه المقاربة الأداء المتقن للممثلات.

سلطت نعيم في مسرحية “جنون الحمائم”، التي اقتبستها عن مسرحية ألبير كامو “سوء تفاهم”، وأخرجتها عام 2011، الضوء على واقع أسرة عراقية فقدت الرجل في الحرب، وعاد الحارس مجردا من رجولته التي خسرها في أتونها، ونشأت الابنة من دون أب، وحولت هي وأمها البيت إلى نزل من أجل العيش، وقامتا بتهريب الشاب الصغير من المنزل ليبعداه عن نيران الحرب، لكنهما تتفاجآن بأن الأمواج قد ابتلعته إثر غرق السفينة، والفتاة تعرضت في فترة احتلال العراق إلى اغتصاب واستباحة كما استبيح الوطن، لذلك عدّت كل شخص لم يدافع عنها عدوا لها، وعليه أن يدفع حياته ثمنا، فأصبح القتل بالنسبة لها مخدرا لكي تنام.

 أما الأم فتجردت من عاطفتها لإرضاء الفتاة، والحارس تحول إلى دفان، لكن الابن الذي نجا من الموت يعود بعد عشرين عاما حاملا آلة عود، ويحل نزيلا عند أسرته، من دون أن يخبرها أنه قادم إليها، ويموت بالسم الذي تدسه له أخته في كأس شاي، ظنا منها أنه شخص غريب. وحين تكتشف الأم أنه ابنها يجن جنونها، وتلعن القلب الذي لم يعرفه، في إشارة إلى أن الحروب تحجر مشاعر الإنسان، وتجعله يفقد الإحساس بأقرب الناس إليه، كما يقول الكاتب عبدالجبار العتابي.

جان جينيه

الفنانة استندت في العديد من مسرحياتها إلى نصوص تشيخوف ولوركا وبريخت وكامو وأرستوفانيس كما اشتغلت على التأليف والإخراج
الفنانة استندت في العديد من مسرحياتها إلى نصوص تشيخوف ولوركا وبريخت وكامو وأرستوفانيس كما اشتغلت على التأليف والإخراج

 قدمت نعيم في مسرحيتها “الصامتات” التي أخرجتها لمحترف بغداد المسرحي، بالتعاون إنتاجيا مع المعهد الثقافي الفرنسي في بغداد، قراءة مغايرة لمسرحية جان جينيه “الخادمات”، ففي الأصل تحاول خادمتان سوداوان تمثيل قتل سيدتهما البورجوازجية، بأسلوب “المسرح داخل المسرح”، أي بوساطة الخيال والوهم، وتظهر السيدة الحقيقية، بعد أن أعدت لها الخادمتان جريمة القتل الوهمية، ثم تقع في نهاية المطاف حادثة موت حقيقية، أيضا، على شكل محاكاة للجريمة، وكانت في الواقع انتحارا، بمعنى أن إحدى الخادمتين تجبر شقيقتها على أن تقدّم لها السم لتلقي حتفها وهي تؤدي دور السيدة.

وقد أرادت نعيم إبراز ظاهرة التهميش والاستلاب التي تتعرض لها شريحة كبيرة من النساء في المجتمع العراقي، والعربي على نحو عام، حيث لا يُسمح لها أن “تعمل، وأن تكون في المركز الذي يليق بها”.

 ولم يكن اختيارها لاسم الصامتات اعتباطا، بل هو تحريض مبطن لهذه الشريحة بأن تحتج وترفض وتتحرر من عبوديتها، وتكون سيدة نفسها، وتفرض حضورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، فالصمت هو خنوع في نهاية الأمر. وينتهي عرض “الصامتات” في مشهد تنكسر أمامه انتفاضة الخادمات الصامتات في أوج اشتعالها وثورتها، وهنا يصرخن بالحقيقة في وجه سيدة القصر التي يخلع عنها ثوبها المخملي ليستبدل بثوب الخادمات، في إشارة واضحة إلى أن الظلم الذكوري لا يطال النساء المعدومات فقط، بل كل النساء مهما اختلفت مستوياتهن الاجتماعية والثقافية، حسب قراءة الكاتبة خيرة بوعمرة.

وواصلت نعيم في عرضها التالي الاشتغال على نص آخر لجينيه هو “الشرفة” (2013) لمحترف بغداد، بالتعاون مع المعهد الثقافي الفرنسي أيضا، متناولة، بأسلوب مسرح اللامعقول، أحداثا تجري في “ماخور”. والعرض يغوص في التناقضات التي تقع خلف كواليس غامضة في إطار أنظمة دكتاتورية فاسدة، وفي جوّ الحروب التي نسمع عنها من دون أن نراها، كالثورات الحاصلة في العالم المعاصر، والمؤامرات والدسائس التي تحاك لتصفيتها.

وقد ملأت نعيم المسرح في هذا العرض بالمرايا لإبراز الرؤى المتعددة التي تعكس ما يدور في الدول العربية، كما يرى عبدالجبار العتابي، وليس فقط على خشبة المسرح، حيث يتصور الجميع أن الثورة قائمة خارج الماخور، والثوار ينطلقون بقوة، وهناك حرائق تلتهم المدينة والسادة الذين يحملون رتبا عسكرية ومناصب قضاة وشرطة يجولون في الماخور، وهم يعيشون وهم السلطة، ويعتقدون بأنهم في مأمن وبمنأى عن الشعب.

14