"عواطف وزوارها" تمزّق الهوية وصراعات المهجر

السبت 2014/10/18
الحبيب السالمي اعتمد على لغته الرشيقة لإبراز قضايا الشخصيات

تَنتمي رواية التونسي المقيم في فرنسا الحبيب السالمي «عواطف وزوّارها» الصادرة عن دار الآداب ببيروت، إلى روايات الشخصيات، بل يمكن وسم الشخصيات، في ظل حيواتها الجديدة ومعايشتها لواقعها الذي اختارته، بالشخصيات اللامنتمية إلى الأوطان، ومع اختلاف جنسياتهم، مصرية (عواطف)، تونسية (المنصف)، جزائرية (بوعلام ومريم)، فلسطينية (رياض) مغربية (إدريس)، إلا أننا لم نلحظ وجودا واضحا لهذه البلدان في عقولهم ووجدانهم.

معظم الإشارات الواردة عن أماكن الانتقال، خاصة من بلدان المغرب العربيّ؛ تونس والجزائر، تشير إلى دوافع الفرار من هذه البلدان، كما هو واضح في حكاية بوعلام التي تأتي متأخّرة داخل النص، وهي تعود إلى تنامي التيار الدينيّ، وقد تتقاطع مع حكاية الشاب التونسي الذي حكت عنه أخت السارد/ المنصف في خطاباتها، والتي تعود هي الأخرى إلى الأساليب القمعية.


شخصيات المهجر


الحكاية التي يسردها الحبيب السالمي، في 287 صفحة من القطع المتوسط، تميل إلى رواية الشخصيات والصراعات الناشبة بين هويات مختلفة تلتقي في المهجر، وكل شخصية غارقة في مشاكلها الخاصة، إلا أنّه عندما يوحّدهم المكان (شقة عواطف)، تتجه دفة الأحداث والحوارات بين الشخصيات إلى صراع آخر، يتمثل أولا في أزمة هذه الشخصيات ببلاد المهجر، ومن ثم تلوذ بمَن يقاسمها هويتها وأزمتها، حتى ولو كانت ثمة تحفظات واضحة بسبب صراعات مرجعها واقع السياسة البغيض، الذي يفرّق أكثر ما يوحّد.

كما تكشف الرواية عن غياب للقضايا العربيّة الكبرى، في مقابل هيمنة قضايا الذات، وهو تحوّل خطير في مواقف كتابات المهجر من قضايا الأوطان التي ترقد فوق صفيح ساخن بأحداثه الملتهبة، وإن ظهرت على استحياء، كما هو حال القضية الفلسطينية، التي تغيب تماما رغم وجود شخصية رياض الفلسطيني المثقف، عندما تضطره «بياتريس» زوجة المنصف، للحديث عنها عندما دعاهم إلى شقته، فكشف في شقته عن جانب كان مستترا لم يعرفه عنه أصدقاء الشقة، وهو إلمامه بالتاريخ العربي بصفة عامة والنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بصفة خاصة، إلماما تاما.

الإيروسية والمثلية في الرواية تأتيان كاحتجاج على واقع عربي أسهم إلى حد بعيد في تشويه الذات العربية واغترابها

لا يجد السّارد الأنا التي تعود على شخصية المنصف، مدرس الكيمياء في ثانويات فرنسا، ليكشف عن الهوة التي يعاني منها المهاجرون إلا عند التعرّض إلى حالة الانقسام التي تنتاب الشخصيات المهاجرة، وهو ما ظهر في شخصيته هو نفسه، حيث تتوّزع ذاته على أماكن عدة بين هنا (فرنسا) وهناك (تونس)، وحالة العودة إلى تونس عبر وسيط، هي الأخت التي تتبادل معه الخطابات، والتي تحكي له عن الواقع التونسي، وحالة الاستنفار الأمني، التي أعقبتها ملاحقات أمنية وتوقيف لبعض الشّباب المنتمين إلى التيارات الدينيّة التي تناهض السلطة هناك أو ما تحكيه عن حالة الحراك المجتمعي إثر عودة المهاجرين التونسيين إلى بلدانهم الفقيرة بالسيارات الفارهة.

لكن المشكلة الحقيقية التي تتطرق إليها الرواية، رغم أن السارد لم يقف عندها كثيرا، تتمثل في مشكلة الجيل الثاني الذي نشأ في فرنسا، وحالة تشرذم الهوية إما بسبب العنصرية التي لا تلبث أن تطارد المهاجرين العرب، رغم حصولهم على الجنسية الفرنسية وإتقانهم للغة، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن المحصلة النهائية أو المعادلة القديمة ما زالت قائمة، ولم يطرأ عليها أيّ تغيير، والمتمثلة في أن الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان.

ثمة غياب كامل للمكان الذي تدور فيه الأحداث باستثناء ذكر لأماكن الإقامة والتنقلات والمقابلات كالمقاهي والساحات، إضافة إلى غياب الأوطان و”نستالوجيها”، التي تعني أن الأفراد استكانوا في أماكنهم البديلة، ولا ترد إلا في صيغة أسئلة توجهها سونيا لوالدها عن أصدقائه العرب.

الغريب أن الشخصيات الفرنسية كجاك صديق/ عشيق مريم، وبياتريس زوجة المنصف تبدو شخصيات أكثر اتزانا من مثيلاتها العربية التي تواجه نوعا من الصراع، كما هو باد بصورة واضحة في شخصية عواطف المصرية وزوجها بوعلام الجزائري، وحالة الخوف التي تعيشها بسبب مطارداته لها، وهو ما انعكس على علاقتها بصديقها المنصف الذي عانى القلق ذاته، بعدما تنامى إليه إصرار بوعلام على الفتك به.

الرواية أبرزت مشكلات الهوية التي اختفت في جيل الآباء وبرزت بشكل ملح مع جيل الأبناء

وبالمثل فبوعلام نفسه لم ينجُ من مطاردات عكسها على غيره تبدت في أنّ أسباب هجرته إلى فرنسا كانت بعد أن قتل الإسلاميون أخاه، وهددوه بالذبح، نفس الحالة نراها عند مريم التي تعاني من تهديدات ابنها كريم، ورفضه لعلاقتها بصديقها الفرنسي.


الهوية والأيروسية


أبرزت الرواية مشكلات الهوية التي اختفت في جيل الآباء وبرزت بشكل ملح مع جيل الأبناء، كريم ابن مريم ولبنى ابنة عواطف وسونيا ابنة المنصف. وهي بمثابة رسالة أخرى يمرّرها الكاتب تفيد بأن مشكلات الهوية لم تعد ذات قيمة بالنسبة إلى جيل الآباء، وغيابها راجع إلى دوافع نفسية وسياسية في المقام الأكبر، أما بالنسبة إلى جيل الأبناء فلم تعد كذلك، بل ثمة شعور بالقلق، وهو ما برز في صيغة تساؤلات ترددت كثيرا بين سونيا ووالدها المنصف، أو في صورة أفعال ومواقف كما هو الحال في موقف كريم ورفضه القاطع لعلاقة والدته بجاك الكافر كما يسمه دائما.

لكن القضايا الأخرى تبرز إلى جانب القلق الوجودي الذي يعيشه الجيل الجديد بانقسامه وانشغاله بهويته والدفاع عنها (كريم بصفة خاصة)، ومن بينها مشكلة التبشير والحجاب.

حالة التحولات التي رافقت مسيرة الشخصيات في علاقاتها تكشف أوّل ما تكشف عن حالة الممارسات الرهيبة التي تفرضها الغربة على المهاجرين حتى ولو حصلوا على الجنسية الفرنسية، كما تكشف عن حالة الغربة والاغتراب التي يعيشونها، وقد اختلقوا حالات اللقاء فيما بينهم كنوع من استعادة هوياتهم الزائلة وكبديل عن الأوطان المفتقَدة (دون الحاجة إلى اجترار عذابات الغربة وويلاتها)، وسط مجتمع قاس، يفرض قوانينه عليهم، ويلزمهم بها، كما حدث مع الفتاة التي أمرتها إدارة المدرسة بخلع الحجاب الذي لا يتماشى مع قوانين المدرسة.

كما تعدّ الأيروسية الفجة التي تنتشر داخل مسار السرد، على المستوى الأنثوي (عواطف/ المنصف، مريم/ المنصف/ جاك/ إدريس)، وعلى المستوى الذكوري (رياض/ إدريس) ملمحا رئيسا داخل النص، وتأتي كنوع من كشف الهزائم التي لحقت بالشخصيات.

فتسعى إلى تحقيق نصر على مستوى الجسد، وهو ما يفسّر أن كثيرا من هذه الممارسات بنوعيها المثلية والطبيعية، كانت تمارس دون مداراة أو خجل، وهي تمَارس دون قيود في كافة الأماكن التي يلتقي فيها الأشخاص، كشقّة عواطف، ثمّ شقّة رياض.

وقد تأتي كاحتجاج على واقع عربي أسهم إلى حدّ بعيد في تشويه الذّات العربيّة باغترابها الذاتيّ وغربتها عن أوطانها، وفي ذات الوقت كمواجهة لتلك الأصولية الغربية التي مارست ضغوطها في صور إكراهات غير مباشرة سواء بالتبشير أو بتضييق الخناق من خلال السعي لمحو الهوية العربية، بممارسات الإقصاء مستغلة مثلا قضية الحجاب.

17