"عواطف وزوارها" رواية عن عرب يخلعون معاطفهم الفرنسية وراء الباب

الثلاثاء 2014/05/27
السالمي يرسم صورة العرب في فرنسا من خلال علاقات مختلفة

دمشق - هم عرب لكنهم فرنسيون، من مختلف الجنسيات العربية، يجتمعون في منزل عواطف المصرية لينسوا الفرنسية ويتبادلوا الأحاديث والعلاقات الغرامية في الفضاء الذي يرسم الوشائج التي تحكم أولئك المغرّبين، يسرد الكاتب التونسي الحبيب السالمي في روايته “عواطف وزوارها”، الصادرة عن دار “الآداب” (2013) قصة ستة من العرب تجمعهم الصداقة والحب والجنس.

الرواية بصوت التونسي “المنصف” أستاذ الفيزياء والكيمياء في أحد المدارس الفرنسية، حيث يروي عن علاقته بعشيقته المصرية “عواطف” التي يقيم معها علاقة غرامية إلى جانب زوجته “بياتريس" الفرنسية ذات الحضور الهامشي في الرواية، إلى جانب ذلك تجمع عواطف في منزلها مريم صديقة الاثنين التي كانت عشيقة سابقة للمنصف، العلاقات بينهم يحكمها نوع من الانتماء، في بلد أجنبي وضع العرب فيه متوتر بالرغم من الجنسية الفرنسية، يضاف لاحقا إلى المجموعة اثنان آخران، هما الصحفي الفلسطيني رياض والفنان إدريس، المثليان جنسيا، برغم ذلك تقع مريم في حب رياض، وتتزوج عواطف من إدريس.

إشكاليات عميقة في الهوية تطرحها الرواية سواء على الصعيد القومي أو الجسدي، فالشخصيات عرب لكنهم من ذوي الجنسية الفرنسية، فنحن أمام انتماءين يتداخلان دائما أثناء تقييمهم لما يدور حولهم..

أما على الصعيد الجنسي فالانتماء إلى الجسد وعلاقته بالآخر سمتان واضحتان من حيث الميول أو العلاقة بين الجسد الفرنسي والعربي، حيث تثرثر الشخصيات دائما حول هذه الأجساد وتقارن بينها وتقيّمها أيّها أكثر فحولة، منزل عواطف أشبه بمكان للتفريغ والتصرف بحرية، فلا محرّمات في هذا الداخل، الداخل الذي يرسم صورة العربي المتحرر من كافة القيود، بمواجهة الخارج الفرنسي المنظم الروتيني.

ما هو حرام ومعيب في البلاد العربية نراه عاديا وصحيا في فرنسا بل من الغريب مناقشته ومحاولة تبريره


حياة مزدوجة

لكل واحدة من شخصيات الرواية عدّة حيوات وعدّة صور كوّنتها عن نفسها، فعواطف تعيش دائما في رعب زوجها الجزائري بوعلام الذي يمثل صوت الشرق الذكوري، بالرغم من أن عواطف تحتفظ بابنتها منه “لبنى” إلا أنه دائم التدخل في حياتها بوصفها تمارس الزنى. مريم ذات الحال، فهناك ابنها الذي عاد إلى جذوره الشرقية واتجه نحو التشدّد الإسلامي، حيث ينعت أمه بالعاهرة التي تمارس الفحشاء مع الكفرة.

هذا الصوت ضمن الرواية لا يختفي، حتى المنصف نفسه له حياة مزدوجة، الأولى مع وزوجته الفرنسية الساذجة التي تصدق أقاويله ولا تشك في خياناته أبدا، كذلك الصوت القادم من أخته، التي تحضر بالرسائل التي تصله منها، فهذا الغياب المتمثل بالوطن الأم لا يحمل معه سوى أخبار الموت، فأخته تطالبه أولا بإرسال النقود لتجديد قبر والدته، ثم تفاجئه بأنها ستحفر قبرا له في المدينة كي لا يوارى جسده عند الفرنسيين “الكفرة”؛ يتسلل القلق إلى نفس رياض، فوطنه الأم لا يذكره إلا بالموت، حتى أنه أوصى زوجته الفرنسية أنه عند مماته، فليحرقوا جسده وليرموا رفاته في ساقية أو نهر، خوفا من أن يستيقظ حيا في القبر.

حياة العرب في فرنسا


الآخر الغريب دوما

العرب في فرنسا بالرغم من الحرية التي يتمتعون بها بوصفهم مواطنين فرنسيين لا بدّ من أن يتعرضوا للمضايقات، فالشرطة توقف المنصف مرة أثناء عودته ليلا من منزل عواطف لتسأله عن المخدرات والسلاح الأبيض وهويته، كما أنه يذهب مع عواطف إلى مدرسة ابنتها ليتفاهم مع العربي الآخر، بالإضافة إلى استدعائه من قبل إدارة مدرسته ليشهد نقاشا حول موضوع الحجاب الذي ترتديه إحدى الطالبات العربيات، ورغبة مدير المدرسة في إقناعها بنزعه أو عليه أن يطردها، وكأن الهوية الفرنسية التي يتمتعون بها لا تخفي حقيقة أسمائهم ولهجاتهم التي لا تظهر إلا في منزل عواطف، فالفرنسي هامشي، أما العربي فمهما كانت انتماءاته وتوجهاته، فيبقى عربيا.


الجنس والجسد

الحرية الجنسية التي تتمتع بها الشخصيات تتلاءم مع الصيغة الفرنسية التي يعيشونها، والمغامرات الجنسية بينهم لا تخلو من تعبير عن الكبت الذي كانوا يعيشونه في بلدانهم، لكن ما يثير التعجب أنه وبرغم ابتعاد الشخصيات كلها عن الدين “الإسلام خصوصا” نراهم في ما يتعلق بالزواج، يستذكرون أصولهم، حتى أن عواطف تريد الزواج من إدريس “على سنة الله ورسوله” ويتغير إثر ذلك سلوكها مع المنصف وتكتفي بمصافحته فقط بعد أن يعلم برغبتها، فالإشكالية الدينية تتضح لدى الشخصيات وعلاقاتها مع بعضها البعض، وبالأخص حين يصل إنجيل إلى صندوق بريد المنصف مما يثير استغرابه من المبشرين الموجودين في البلاد.

نهاية الرواية كبدايتها، عفوية، فهي تبدأ بكراهية المنصف لكلب عواطف “غارو” وتنتهي بعد أن سلّم بحقيقة زواج عواطف من إدريس وهو يتجول مع غارو كي يقضي حاجته، مازالت أسئلة الهوية معلقة، لكن فرنسا هي بلد للمصالحات، تدفع العربي للتصالح مع ذاته ولو جزئيا، فما هو حرام ومعيب في البلاد العربية نراه عاديا وصحيا في فرنسا بل من الغريب مناقشته ومحاولة تبريره.

14