عوالم الأدباء الخفية.. أسرار مذهلة

حوارات كبار الأدباء العالميين ضوء يبحر في عوالم الإبداع.
الجمعة 2020/09/11
أدباء لكل منهم حياته ورؤاه

تظل آراء وأفكار وتفاصيل ملامح الشخصية الإنسانية لكبار المبدعين العالميين ضوءا مهمّا في التعرّف على رؤاهم للعملية الإبداعية وأفكارهم حولها، والمؤثرات التي ألقت بظلالها عليها، ومواقفهم الفكرية والسياسية، واهتماماتهم بعيدا عن الأدب، ومن هنا تأتي الحوارات التي أجريت معهم لتشكّل وتبلور وترسم جوانب مهمة من مسيراتهم الإبداعية والإنسانية.

قدم أخيرا الشاعر والمترجم المغربي نجيب مبارك مجموعة من الحوارات التي أجريت مع بعض كبار الأدباء العالميين المعاصرين والمعروفين عربيا مثل ماركيز، وجويس كارول أوتيس، وفيلب روث، أورهانباموق، أمين معلوف، إدواردوميندوثا، موراكامي، إيزابيل الليندي وغيرهم، وقد نشرت الحوارات في كبريات الصحف والمجلات الأدبية الغربية.

يقول نجيب مبارك في تقديمه للكتاب الذي قام بترجمته بعنوان “الرسالة المسروقة.. حوارات مع كتاب عالميين”، والصادر عن دار ظلال وخطوط الأردنية، إنه “عندما سئل الكاتب الإسباني إنريكي بيلا ماتاس في أحد الحوارات عن سرّ تعلقه باستكشاف شخصيات بعض مشاهير الكتاب، مثل توماس بنشون وج.د.سالنجر، والبحث عن الأساطير والنمائم والمفارقات التي صنعت حياتهم، أجاب: في يوم من الأيام، بدا لي كما لو أن الصورة الخفية لهؤلاء الكتاب ‘غير المرئيين’ تشبه في الواقع ‘الرسالة المسروقة’ في قصة إدغار ألن بو؛ لقد كانوا مرئيين من طرف الجميع، لكن لا أحد استطاع أن يعرف كيف يراهم”.

وهذا ما يحدث اليوم مع الكثير من الروائيين العالميين الذين يظن القارئ أنه يعرف عنهم الكثير، ويلمّ بكل ما له صلة بحياتهم وأعمالهم، لأن أسماء بعضهم متداولة بكثرة في الإعلام وأعمالهم منتشرة على نطاق واسع، لكنه في الواقع لا يرى إلا ما ترسخ طويلا في الأذهان من كليشيهات وانطباعات خاطئة، خصوصا بالنسبة إلى أولئك الكتاب الذين نادرا ما يظهرون في الإعلام، بحيث تمثل الحوارات القليلة التي يجرونها على فترات، مناسبة ثمينة جدا للتعرف عليهم واستكشاف عوالمهم من جديد.

التقدم في السن

الصورة الخفية لكتاب عالميين
الصورة الخفية لكتاب عالميين

تقول جويس كارول أوتس حول الصلة بين الطفولة وحرفة الكتابة لديها، وذلك في حوارها مع ناثالي كروم الذي نشر بمجلة “تيليراما” الفرنسية “إن الأمر يتعلق بشغفي بالحياة الخارقة للناس العاديين، حينما كنت أشعر بفضول كبير نحو الأشياء التي لا نتحدث عنها، وفضول نحو صمت البالغين، الإرادي أو لا، الذي يغلّف بعض الأحداث العائلية: انتحار جدي من أبي، والد جدتي ‘البيضاء’، الذي كان شخصا سكّيرا وعنيفا، ومقتل جدي من أمي حينما كانت هي لا تزال رضيعة، والهجران الذي تعرضت له، حيث أوعزت أمها إلى أختها الشقيقة برعايتها، وهي من تعهدت بتربيتها وتبنيها إن صح القول.. حين كبرنا أنا وأخي اكتشفنا أشياء مثيرة للدهشة عن عائلتنا. وحتى بخصوص مسار أجدادي من أمي، المهاجرين من هنغاريا إلى الولايات المتحدة، لم نكن نعلم أي شيء. اليوم، أتأسف كثيرا لأنني لم أطرح عليهم أسئلة أخرى. ودائما ما أنصح طلبتي: اسألوا أجدادكم، كونوا قريبين منهم، لأنهم يوما ما سوف يكون الأوان قد فات”.

وتضيف أوتيس “ربما كانت كتابة الروايات بالنسبة إلىّ وسيلة لعيش هذه الأيام والتفكير فيها، حين أسترجع طفولتي، لا أتذكر سوى محادثات عائلية لا جدوى منها، كانت والدتي مصدومة بسبب هجرانها في طفولتها ـ وفعلا يجب أن أعترف بحضور العديد من الأطفال المصدومين نفسيا في رواياتي ـ وحين كبرت كانت لي معها محادثات شجيّة”.

وتتابع “أتذكرها الآن، وقد كان عمرها 80 عاما، حينما تشرع في البكاء كلما تذكرت أن أمها لم تمنحها الحب في الواقع، أظن أن جدتي كانت فقيرة جدا وأرملة، ولديها الكثير من الأطفال، بحيث أن وضع أمي تحت رعاية خالتها كان هو أفضل قرار يمكنها اتخاذه، لأنه على الأقل منح أمي فرصة العيش”.

وتواصل قولها “لقد عانت أمي من ذلك طوال ثمانية عقود، حتى نهاية حياتها، ولكنني حين كنت طفلة، لم تكن أمي تتحدث عن ذلك، ولم تكن تبكي، لم يكن والدي يشتكيان أبدا، كانا من ذوي القلوب الشديدة، لديهما مرونة كبير وكانا إيجابيين على  الدوام، ربما اتخذتهما نموذجا في سلوكي: أنا لا أشتكي أبدا، وحين لا تكون بعض الأِشياء على ما يرام في حياتي، لا أتحدث عنها، حتى مع أقرب أصدقائي، أحتفظ بها لنفسي”.

ويقول الروائي الإسباني إدواردو مندوثا الفائز بجائزة ثيربانتس في الآداب لعام 2016 في حواره “حين سأموت يوما ما يمكنهم سحب كل طبعات كتبي من المكتبات، وحذف اسمي من ويكيبيديا، هذا لا يشكل فارقا بالنسبة إليّ. الشيء الوحيد الذي يهم عند التفكير في وصولي إلى هذه المرحلة من العمر هو أنني قضيت وقتي طائرا ولم أنجز أي شيء. يبدو الأمر كما لو أنني خارج للتو من حضانة وأتجه في طريق العودة إلى البيت، وبينهما لا يوجد شيء. طبعا، ربحت عائلة، بالتأكيد، وبعض الأصدقاء. يمكنك القول: لقد عشت، أنجزت أعمالا يمكنها أن تدوم أو أنني طبخت كل يوم وجبة بايلا وأطعمت بعض الزبائن. في النهاية، كل واحد يقاس بميزان”.

وفي حوار هاروكي موراكامي أسطورة اليابان الأكثر شهرة حول العالم مع راكيل غاريون في مجلة “البايس” حول بلوغه سن السبعين يقول “لا أشعر بأي خاص، لكني لا أندم على ذلك أيضا. لقد ارتكبت أخطاء مثل أي شخص آخر، لكن ما حصل قد حصل. البراءة أمر لا مفر منه، بهذا المعنى أنا شخص مؤمن بالقدر. لقد سألتني عما إذا كنت نادما لكوني لم أنجب أطفالا، وهذا حدث بالفعل لا أستطيع فعل شيء حيال ذلك، أتقبل ما حدث لي، ربما بشكل مختلف عن الآخرين، أعيش وأكتب رواياتي انطلاقا من هذا القبول إنه أمر مهم بالنسبة لي”.

ويضيف “أن أتقدم في السن. لا أعرف ما طبيعة هذا الوضع أو ما الذي سينتج عنه، لأنه تجربتي الأولى ‘يضحك’. لكن لدي بعض الفضول، وهذا أقوى من الخوف.

الانفصال عن العالم

البحث عن ما وراء الصورة
البحث عن ما وراء الصورة

حول إيقاع الكتابة يقول أورهان باموق في حواره مع فريديريك روسل والذي نشر بصحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية “أكتب طوال النهار، أحب أن أعيش في الخيال، بعض الكتاب يشتكون من معاناة في الكتابة. أنا حين أكتب أكون سعيدا. وحين لا أكتب أو أكتب بلا جدوى ولا أتمكن من التوغل بداخل عالم الرواية، أكون تعيسا جدا”.

ويضيف “أرى نفسي أحيانا مثل مهووس بالكتابة. إيتالو كالفينو يعرّف نفسه هكذا. هنا، في جزيرة بويوكادا، تستيقظ زوجتي في السابعة والنصف صباحا ولا تعود إلا في السادسة مساء. أظل أشتغل لمدة عشر ساعات على هذه الطاولة، كانت ابنتي هنا قبل مجيئكم. إنها بصدد كتابة روايتها الأولى، لدي أصدقاء يأتون لمجالستي على الطاولة المجاورة. أكون سعيدا برفقة شخص آخر في الغرفة وأنا أكتب”.

ويشير الكاتب الفرنسي غيوم ميسو في حواره مع ماريان بايو بمجلة “إكسبرس” الفرنسية إلى أنه يستطيع أن يكتب في أي مكان ما عدا بيته، ويقول “هناك أخصص وقتي 100 في المئة لأسرتي. لهذا أشتغل هنا في هذه الشقة، أو كما ترين في مكتبي بدار نشر كالمان ليفي، أو أيضا في مقهى، مثل برنارد ويبر. يقول ستيفن كينغ ‘لكي تكتب، يجب أن تغلق الباب’. من جهتي يكفي أن أدخل في ما يمكن نسميه أرض الخيال المحرمة، وميزة التواجد في مكان يعج بالحركة، إنه يكسر العزلة الثقيلة للكاتب. وكما يقول مثلي الأعلى وصديقي جون كريستوف غرونجي: في النهاية عملنا هو أن نبقى عشر ساعات يوميا بلباس البيت أمام شاشة ونتناول بيتزا عند الظهيرة، ليس في الأمر سحر”.

ويوضح كيف كان يكتب أثناء عمله أستاذا للاقتصاد قائلا “كنت أبدأ الكتابة في الساعة 8 مساء، بعد أن أكون قد أنهيت تصحيحاتي، وأظل كذلك حتى الثالثة صباحا. ثم أنهض في السابعة صباحا من أجل الذهاب لإلقاء الدروس. كنت أعمل بهذه الطريقة بالنسبة لرواياتي الست الأولى. لقد كان ذلك عنيفا للغاية، مبهجا، لكنه لا يتوافق مع الحياة الزوجية”.

الحوارات تكشف شخصيات بعض مشاهير الكتاب وتعري الأساطير والمفارقات التي صنعت أفكارهم حول الحياة والإبداع

ويتابع “في عام 2007 طلبت تفرغا من العمل وانضممت إلى زوجتي في باريس، وخلال عامين كنت مثل مهووس حقيقي، أذهب إلى مدينة أنتيب المتوسطية، لأشتغل فوق طاولتي القديمة، هذا كان يمنحني ثقة، مثل غرونجي الذي كان عاد إلى آلة الكاتبة التي أنجز عليها روايته ‘الأنهار الأرجوانية’. في أحد الأيام، تحررت فجأة من كل قيودي! وللغرابة، لم أعد أشتغل كثيرا حتى لو توفر لدي المزيد من الوقت ولم أعد أكتب روايتين كل عام”.

وتقول الروائية الشهيرة إيزابيل الليندي في حوارها “كتبت مرة أن ‘بلدي من اختراعي’، أي أنها تلك الصورة عن تشيلي مما أحتفظ بها في ذاكرتي، لكنها صورة مشوهة بسبب المشاعر، المعتقدات والصدمات، ذلك أن تشيلي التي أعيدَ بناؤها في مخيلتي وذاكرتي هي المنفى، ثم تلك المتعلقة بالهجرة، بعد أن ذهبت للعيش في الولايات المتحدة”.

وتضيف “عندما عدت إلى تشيلي وجدت البلد الحقيقي الذي لا علاقة له بما أتذكره أو اخترعه. لكن ألا يمكن ربما لهذه التخيلات الرائعة أن تتشكل لدينا أيضا حين نعيش في الريف؟ ليس من الضروري أن تكون مهاجرا لكي تتخيل. أحيانا نعيش في بلد مختلف عن ذلك الذي نظن أننا نعيش فيه، وعندما تقع كارثة ما، نكتشف أننا كنا نعيش دائما في بلد من اختراعنا”.

ويرى الكاتب جون ماكسويل كويتزي (ج.م. كويتزي) أن “الشعور المتزايد بالانفصال عن العالم أمر يحدث طبيعيا بالنسبة للكثير من الكتاب، وهي عملية يمكن تفسيرها على أنها تحرر، كما هو الشأن بالنسبة لاكتساب المزيد من الصفاء الذهني الذي يسمح لنا بمواجهة الأمور الأكثر أهمية”.

ويقول “في رأيي، نحن نكتب لنعرف ما نريد قوله، وهذا صحيح، على الخصوص بالنسبة إلى شكل سردي طويل مثل الرواية، على مدار السنوات التي تقضيها في كتابة رواية، ينمو تفكيرك ويتطور ويتغير، لا يقتصر الأمر على أن العمل الذي بدأت في كتابته ليس هو نفسه العمل الذي انتهيت منه، ولكن حتى الإنسان الذي كنته في بداية المشروع ليس هو الإنسان الذي صرته في النهاية.

15