عودة إلى أحداث كولونيا

في مخيال أولئك الشبان المغاربيين، الذين يعيشون على هامش الحياة وهامش الجنسانية، ليست نساء الغرب سوى بضائع استهلاك معروضة على قارعة الطريق للرجل العربي.
الخميس 2018/10/11
كولونيا أيقظت كل الاستيهامات الكولونيالية حول خطورة الغريب

ما زلنا نذكر ما كتبه الجزائري كمال داود عن أحداث كولونيا ليلة رأس السنة الميلادية 2015، حين دعا الغرب صراحة إلى تثقيف العرب “المكبوتين جنسيا” وتعليمهم “قيم الحضارة الغربية” قبل تمكينهم من تأشيرة دخول، وها أنّ كتابا جديدا عنوانه “جنس، وعرق ومستعمرات” يفضح فيه قرابة مئة باحث مدى العنف الجنسي الذي مارسه الرجل الغربي “المتحضر جدا” ضد نساء المستعمرات طيلة ستة قرون، من 1420 إلى يوم الناس هذا.

في الفصل المخصص لتلك الليلة، أوضح الأكاديمي الأميركي تود شيبارد أن تلك الأحداث تقع عادة خلال التظاهرات الكبرى، وتغطيتها لا تأخذ أبعادا هائلة إلا إذا نُظر إلى المتحرشين من زاوية عرقية، وأن كولونيا أيقظت كل الاستيهامات الكولونيالية حول خطورة الغريب، العربي هنا، الذي عادة ما ينظر إليه كتهديد لنقاء العِرق عند الفاشيين، وغريمٍ للرجل الأبيض في معركة الفحولة عند اليمين الفرنسي.

فالمغاربي، في عيون الإنسان الغربي لا يمكن أن يكون طبيعيا جنسيا، ولا أن يكون لسلوكه تفسير بيوغرافي، بل هو بطبعه إما طُهرانيّ يرفض الجنسانية ويفرض الحجاب، وإما مهووس بالجنس يهدد المرأة البيضاء.

ويذكر شيبارد أنّ أبحاثا بوليسية فرنسية أثبتت أنّ الشبان من ذوي الأصول المغاربية لا يرتكبون جرائم جنسية أكثر من سواهم، ولكن وسائل الإعلام تركز عليهم أضعاف ما تركز على الآخرين، لأسباب عنصرية، ويضرب مثلا عصابات الـ”كو كلوكس كلان” العنصرية التي تستمد جذورها من تحريم العلاقة الجنسية بين الرجل الأسود والمرأة البيضاء، ومن “مولد أمة” لدفيد غريفيث، الفيلم المؤسس للسينما الأميركية الذي ادّعى أنّ السود لا شيء يشغلهم غير اغتصاب البيضاوات. والدافع دائما ليس تجنّب تدمير العرق فحسب، وإنما أيضا الخوف من أن تشعر البيضاء باللذة مع الرجل الأسود.

ويخلص شيبارد إلى القول إن ما استنتجناه من اعتداءات كولونيا وما حرصنا على إظهاره في كتابنا أن الغرب صنع جنسانية المستعمَر، مثلما صنع جنسانية المستعمِر، وأن الصور التي أنتجتها المرحلة الكولونيالية والبورنوغرافية الغربية ولدت فكرة لدى “الآخر” مفادها أن المرأة البيضاء جاهزة جنسيا، لا تفكر إلا في ذلك، برغم “خط اللون”.

ففي مخيال أولئك الشبان المغاربيين، الذين يعيشون على هامش الحياة وهامش الجنسانية، ليست نساء الغرب سوى بضائع استهلاك معروضة على قارعة الطريق للرجل العربي. فشتّان بين من يتجرّد عن الهوى بحثا عن الحقيقة، وبين من يقهره الهوى فيفتري القولَ على بني جنسه لإرضاء غلاة الغرب وتحقيق مآرب شخصية.

15