عودة إلى أيام مدريد

السبت 2017/12/16

خلال مشاركتي في مهرجان ولاية البليدة الشعري بالجزائر، التقيت الشاعر والأكاديمي الجزائري عبدالله حمادي، بعد انقطاع دام زمناً طويلاً، وكنا على علاقة ثقافية وثيقة في سبعينات القرن الماضي، إذْ كنت أقيم في مدريد وأعمل ملحقا صحافيا في سفارة العراق، بينما كان هو يعد للدكتوراه في جامعة مدريد.

إذْ كنّا في صباح كل يوم أحد نلتقي في مقهى بشارع الخنرالسيمو، يسبقنا إليه د. محمود صبح، وبما اتسم به من حيوية ونشاط، حوّل تلك اللقاءات إلى ندوة ثقافية أسبوعية، يشارك فيها مثقفون عرب وطلبة دراسات عليا، ويحضر معنا أحياناً مستعربون إسبان، وطلبة من الذين يتخصصون بدراسة اللغة العربية وآدابها.

وما إن التقينا على هامش المهرجان، حتى عدنا إلى تلك الأيام وإلى لقاءاتنا الثقافية فيها، وكان عبدالله حمادي من بين أكثر المشاركين فيها حيوية ومثابرة، وإذ قال لي “لقد ترجمت إلى العربية دراسة جديدة تناولت شعرك، كتبها أكاديمي إسباني”، فأجبته “لم أطلع على هذه الدراسة، لا باللغة الإسبانية ولا في ترجمتها إلى اللغة العربية”، وكدت أقول “حبذا لو أطلعتني عليهما معا”، لكنني ترددت، إذ لم يكن المقام مناسباً لما كنت أفكر به من قول.

وحين تفضل د. حمادي، باستذكار أيام مدريد في كلمته التي ألقاها حيث حياني فيها ورحب بي، قال لي أحد الحاضرين وهو شاعر جزائري شاب “إن الموريسكيين القدامى يواصلون ملاحقتك حيث تكون، أيها الموريسكي الجديد”.

إن هذا التعليق، يعيدني إلى تجربتي الإسبانية التي ظلت تلاحقني فعلا، في الكثير مما يقال عن تجربتي الشعرية، أو السيرية، كما في الكثير من الحوارات الثقافية، رغم أنها صارت بعيدة زمنياً.

وكنت أقول: كانت إقامتي في إسبانيا وأنا في الثلاثين من العمر، في ذروة تفتحي الذهني والروحي والجسدي، وفي ذروة انفتاح تجربتي الشعرية على آفاق التجريب، لذا فقد شكلت أعوامها الثلاثة، انعطافة تاريخية في الحياة والشعر، وصار من ثوابت دارسي تجربتي الشعرية، القول، بأنها أرخت لمرحلة جديدة تختلف عمّا سبقها.

وقلت أيضاً: ما ميّز تجربتي الإسبانية عن شعراء عرب كثيرين أقاموا في إسبانيا وكتبوا عنها، أنني لم أكن أسير التاريخ الأندلسي الجميل، ولم أُقبِّل امرأة، على أنني أقبل طارق بن زياد، كما فعل نزار قباني.

وفي حوار لي مع الشاعر الفلسطيني هشام عودة، نشر في كتابه “الشمعة والدرويش” قلت: لم تكن قصيدتي التي كتبتها في إسبانيا، قد حملت مقوماتها، لغةً وموقفاً ورؤى إبداعيةً، قبل كتابتها أو قبل إقامتي في إسبانيا، بل كانت من عمق تجربتي الحياتية فيها، وهذا ما أشار إليه المستعرب الإسباني الكبير بيدرو مارتينث مونتابيث، وهكذا تحقق ما وصفه بعضهم بالتحول النوعي، أي أنني لم أحمل تجربتي الإسبانية عواطفي أو قراءاتي أو تأثير النشرات السياحية والرحلات السريعة المبرمجة، إلى هذه المدينة الإسبانية أو تلك، فقد كنت قشتالياً في القشتاليين وأندلسياً في الأندلسيين وغجريا في الغجر.

وما أودّ قوله هنا، إن ما ذكرته بشأن تجربتي الإسبانية، ليس هو نتاج وعي الحاضر، بل هو نتاج الوعي الذي كتبت به قصائد المرحلة الإسبانية، فعلى سبيل المثال، حين كتبت قصيدة “ولاّدة” لم أكتب عن ولاّدة بنت المستكفي، بل عن امرأة معاصرة، تتمثل في سلوكها ومواقفها، سلوك ومواقف ولاّدة الأندلسية، وحين كتبت قصيدتي عن استشهاد غسان كنفاني، استحضرت من خلاله أحد شهداء الحرب الأهلية الإسبانية.

ويبدو لي، أن ما تحدثت عنه، بشأن تجربتي في أيام مدريد، بما كانت لها من خصوصية فكرية ومن ثم جمالية، هي التي منحتها أهميتها واستمرارية حضورها.

كاتب عراقي

15